وللأقباط عدا ما تقدم أملاك ليست داخل القيامة، ولكنها متصلة بها من الخارج ومجاورة لها، ويقع بعضها بأعلى بناء القيامة. فلهم كنيستان متصلتان بمبانيها لهما باب يطل على ساحتها بجوار أبوابها، ولهما باب علوي آخر يوصل إلى دير السلطان الذي يقول البعض إنه هبة من السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - ملك مصر - إلى أقباطها، والبعض الآخر يرجع ملكيتهم له إلى ما قبل ذلك بنحو قرن. وقد كان الأقباط يهتمون بهذا الدير اهتماما كبيرا، ويواظبون على تعميره كما يؤخذ من نص الحجة الشرعية المؤرخة 13 شوال سنة 1098ه «22 أغسطس سنة 1686م». وقد جاء فيها:
بالمجلس الشرعي المحرر المرعي أجله تعالى لدى جناب سيدنا ومولانا، أقضى قضاة الإسلام، أولى ولاة الأنام، بدر سماء المعالي الفخام، الحاكم الشرعي الموقع خطه الشرعي الموقع خطه وختمه الكريمين في أصله أعلاه، دام فضله وزاد علاه. لما كان سابقا على تاريخ أدناه كشف على دير طائفة نصارى القبط بمحمية القدس المنيف المعروف قديما بدير السلطان بمحلة النصارى المحدود بمقتضى حجة السابق الآتي بيانها فيه بطلب المعلم سالم البنا المتكلم على أوقاف نصارى القبط. ووجد الدير المذكور مشرفا على الخراب وبعض أماكن منه تحتاج إلى الترميم والتبطين والعقادة والكحلة الضروريان، وإذن مولانا الحاكم الشرعي المشار إليه للمعلم سالم المتكلم المسطور أعلاه بترميم وتبطين ... إلخ.
وقد ختمت هذه الحجة بختم فضيلة القاضي الشرعي الشيخ أحمد راقم.
وللأقباط أيضا دير آخر ودار للبطريركية بها كنيسة كبرى تقع بأعلى بناء القيامة تماما، ويصل هذا الدير بدير السلطان باب تقع عنده المرحلة التاسعة لآلام المسيح التي يقدسها جميع الطوائف، وبعض حوائط هذين الديرين مشتركة بينهما وبين كنيسة القيامة.
هيكل سليمان والمسجد الأقصى
تدل الروايات الراجحة الواردة في الكتب القديمة على أن منطقة حرم المسجد الأقصى تحوي المصلى الذي كان يصلي فيه داود، وأن الصخرة التي أقيمت عليها القبة في صدر الإسلام هي المذبح الذي كان يشوي عليه داود قربانه، فكان الدم يسيل منها إلى غرفة تحتها، ومن هناك يجري إلى وادي كدرون، وأن أول ذكر للصخرة في كتب المتقدمين جاء من رجل من بوردو حج إلى بيت المقدس في سنة 330 للميلاد، فقال: إنه رأى بالقرب من التمثالين المنصوبين للإمبراطور «هارديان» داخل المعبد حجرا مخروقا من عادة اليهود أن يضمخوه بالزيت مرة في السنة حيث ينوحون ويعولون ويخرقون ألبستهم ثم ينصرفون. وكانت هذه المنطقة مقدسة عند الوثنيين قبل اليهود، ويدعى محلها «تل موريا»، وربما كان بيدرا لأحد اليبوسيين سكان فلسطين القدماء.
ثم إن سليمان الحكيم قد أقام حول هذه الصخرة معبده المشهور الذي يسمى «هيكل سليمان»، فجلب له الصناع والمهندسين من مدينة صور الفينيقية بمساعدة ملكها الملك حيرام، وذلك في سنة 1013 قبل الميلاد. وذكر رواة الأقاصيص والأخبار أنه أنفق في بناء هذا الهيكل مائة ألف وزنة من الذهب ومليون وزنة من الفضة، وهو ما يعادل في عملتنا الحاضرة زهاء ثماني مائة وتسعة وثمانين مليونا ونصف مليون من الجنيهات الإنكليزية. وهذا مبلغ يستكثره العقل. هذا عدا ما أفاضوا فيه من ذكر الحديد والنحاس والذهب والفضة والعاج والأحجار الكريمة وخشب الأرز الذي جيء به من لبنان، فتم بناؤه سنة 1005 قبل الميلاد.
وأقيم على الجانب الشرقي منه رواق من الأعمدة فأدار الملوك المتأخرون هذا الرواق حتى شمل الهيكل جميعا. وقد قام الصوريون بهذا البناء، وكان عملا فينيقيا من حيث التصميم والزخرف والبناء. ولقد بقي هذا الهيكل زينة من زينات العالم القديم حتى خربه ملك بابل في سنة 424ق.م. فلما عاد اليهود من السبي، جددوه من بعد ما اندثرت محاسنه، وأعادوه إلى هيأته الأولى. هذا؛ وقد تداعى هذا البناء وأصيب بأنواع التخريب من جراء الاضطرابات وحوادث الدهر مرة أخرى، فجدد بناءه الملك هيرود الكبير، وهو من أصل أدومي، كان ملكا على اليهود، ودام ملكه سبعا وثلاثين سنة من سنة أربعين إلى سنة أربع قبل الميلاد، وهو الذي جدد بناء مدينة «سامرة» فدعاها «سبسطية» كما تدعى اليوم؛ نسبة إلى «أغسطوس»، وحول «صرح ستراتو» إلى أسكلة على البحر عظيمة دعاها «قيصرية»، وباشر بناء الهيكل أو تجديده في السنة العشرين قبل المسيح، ودامت الأسمال فيه تسع سنوات ونصف سنة من غير أن يتم بناؤه. وقد أنفذ «عمر بن الخطاب» «عمرو بن العاص» إلى فلسطين فنزل بيت المقدس، لكن القوم امتنعوا عليه فجاءهم «أبو عبيدة بن الجراح» بعد أن افتتح «قنسرين»، وذلك في سنة 16 للهجرة، فطلبوا منه الأمان والصلح على مثل ما صولح عليه أهل الشام من أداء الجزية والخراج والدخول فيما دخل فيه نظراؤهم على أن يكون المتولي للعقد لهم عمر بن الخطاب، فكتب أبو عبيدة بهذا إلى عمر؛ فقدم عمر ونزل الجابية من دمشق، ثم صار إلى بيت المقدس، فأنفذ صلحهم وكتب لهم كتابا، وكان ذلك في سنة 17 كما جاء في معجم البلدان لياقوت. ودائرة المعارف البريطانية. «زار عمر الصخرة المباركة بإرشاد البطريرك «صفرونيوس»، وهي مصلى داود ومكان معبد اليهود، فوجدها ملطخة بالأقذار وضعها عليها النصارى نكاية باليهود، فنظفها عمر وصحبه بأيديهم، وجعلوها مصلى. ومع أن هذا المصلى جدد بناؤه فيما بعد فقد احتفظ باسم الخليفة الثاني منذ ذلك الحين إلى اليوم.» ووصف المطران «أركولفوس» في سنة 670 للميلاد هذا المصلى فقال: إنه بناء بسيط من الخشب يستوعب ثلاثة آلاف مصل. ولكن لما ولي الخلافة عبد الملك بن مروان أمر بإنشاء المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ورصد لذلك خراج مصر سبع سنين، وانتهى من العمل سنة 72 للهجرة. ومال بعض النقاد - ولا سيما من الفرنجة ومن جاراهم - في تعليل البذخ الذي بذخه عبد الملك والأبهة البنائية التي أتى بها والفن المعماري الذي أحكمه في هذا العمل العظيم إلى القول: إنه أراد أن يحول به الأنظار عن الحرمين الشريفين حين أعلن عبد الله بن الزبير خلافته في الحجاز واستقل بها. فمثل هذا البناء البراق المشمخر يسترعي أنظار العامة ويستولي عليهم فيعود قبلة المسلمين الأولى. ولكن فات الذين يقولون هذا القول أن الإسلام في هذا العصر الذي نحن بصدده كان قد استحكم في القلوب وقواعده صارت ثابتة كالطود فلا مجال لمثل هذا التلاعب أن يحوز على الناس. ثم إن الأعمال البنائية العظيمة الأخرى التي قام بها عبد الملك كمسجد دمشق مثلا تدل دلالة صريحة على أنه أراد من هذه الأبهة وهذا البذخ ألا تكون معابد المسلمين دون معابد الأمم والدول الأخرى جمالا وجلالا، متى فازت من الغنى بسهم وافر.