ومما ينبغي أن نذكره هنا أن أقباط مصر - كسائر الطوائف - يملكون في القيامة أملاكا يرجع تاريخها إلى أقدم العهود. وحسبنا أن نقول: إن المستر ربتشموند - مدير مصلحة الآثار بحكومة فلسطين - في تمهيده للتقرير الرسمي عن ترميم بناء القيامة الذي كان مرجعه فيه الوثائق الرسمية للحكومة الفلسطينية، والمصادر التاريخية المنزهة، ذكر أنه من الثابت أنه في سنة 1400، كان للروم واللاتين والأرمن والأقباط والسريان والأحباش أملاك في القيامة.
وذكر في موضع آخر أنه في سنة 1664 نزعت ملكيات «طائفة الجوجيين لعجزها عن دفع الضرائب، وفي سنة 1668 نزعت أملاك الحبش للسبب نفسه. وإذا كان بعض الطوائف قد فقد حقوقه في القيامة، إلا أن الأقباط ظلوا محتفظين بها من قبل سنة 1400 إلى الآن. وليس في ذلك ما يدعو إلى الغرابة؛ فإن الذي دشن كنيسة القيامة هو البطريرك العظيم البابا الإسكندري الأنبا إثناسيوس الرسولي بناء على دعوة من الملك قسطنطين نفسه. هذا؛ وقد جاء في كتاب الشيخ المؤتمن أبي المكارم سعد الله بن جرجس بن مسعود الذي توفي منذ سبعة قرون ونصف أنه كان للأقباط بالقدس لغاية سنة 1184م عدة كنائس ذكر منها ما يأتي بحروفه: (1)
وكان في بيعة القيامة في الأسكنا الكبير «القبة» مذبح على اسم السيدة العذراء مفرد للقبط «117». وهذه الكنيسة لا تزال باقية إلى الآن. (2)
كنيسة بأورشليم أنشأها النبراوي مقاره في خلافة هارون الرشيد بما اجتمع له من المال في بطريركية يعقوب، وهو الخمسون في العدد، وهي ملجأ من يمضي إليها من المؤمنين «125». وهذه هي كنيسة المجدلانية، وقد بقيت في يد الأقباط إلى سبعة قرون مضت. (3)
وبيعة اليعاقبة عمرها منصور اليعقوبي المصري، ودشنت في بطريركية أنبا كيرلس السابع والستين في العدد «135»، وهذه الكنيسة لم يعين مكانها تماما، والراجع أنها في دير السلطان. وقد ذكر المقريزي المؤرخ المعروف في الجزء الخاص بالقبط: «ولهم بغزة كنيسة مريم، وبالقدس القيامة وصهيون.»
فمما تقدم يبين أن أملاك الأقباط في القيامة ترجع إلى أبعد عهودها. على أنه مما لا شك فيه أن مركزهم ازداد قوة منذ عهد مجدد مصر رأس الأسرة العلوية محمد علي باشا الذي كان يرعى الأقباط ويخصهم بعنايته واهتمامه. هذا؛ وكل طائفة تزعم لنفسها نسبة أكبر مما للأخرى. ويقلل من نسبة ما للطوائف الأخرى تعظيما لشأن طائفته. ولو كان بالإمكان تحديد هذه النسبة لكانت الحكومة الفلسطينية أول من يعنى بتحديدها، ولكنها تحاشت ذلك بامتناعها عن تعيين الحصة التي تستحق على كل طائفة في المبالغ المطلوبة لترميم كنيسة القيامة، وتركت الطوائف حرة فيما تدفعه - وهي تتبارى في ذلك - حتى ولو زاد ما يدفع من الكل عن المبلغ المطلوب للترميم؛ إذ تعتزم الحكومة حفظ ما يزيد منه لأعمال الصيانة مستقبلا في كنيستي المهد والقيامة.
ومن البديهي أن عدم إمكان تحديد نسبة بين أملاك الطوائف إنما يرجع إلى اشتراكها في الأماكن التذكارية الأخرى بداخل القيامة. هذا؛ ويملك المصريون في القيامة كنيسة لا شك في أنها صغيرة في المساحة، ولكنها من أعظم الكنائس قيمة؛ فهي الكنيسة الوحيدة المتصلة بالقبر المقدس والملاصقة له، وهي الكنيسة الوحيدة التي تقع قبلتها على القبر ذاته؛ الأمر الذي تغبطها عليه جميع الطوائف؛ لأنه إذا كان بعضها يحرص على حقوقه في إقامة صلوات على القبر المقدس في مناسبات معينة فإن للأقباط هذا الحق على الدوام بحكم موقع كنيستهم.
وعلى هذا كان المقياس الصحيح لتقدير نسبة أملاك الطوائف إلى بعضها ذلك هو «الموقع». والأقباط يمتازون في المرتبة عن السريان، ومع أن الفرق بين أملاك الطائفتين، سواء من حيث القيمة أو من حيث اتساع حق الملكية ومزاياه لا يدع أي مجال للمقارنة بين الطائفتين. فللأقباط - دون السريان - غرفتان «تختان» بالقيامة شأنها في ذلك شأن باقي الطوائف الأولى بجوار المغتسل، وهي مكونة من دورين مساحة كل منهما 35 مترا تقريبا، والثانية أمام الكنيسة ومكونة من دورين أيضا تبلغ مساحة كل منهما نحو ثمانين مترا، وتشمل ثلاث بواك بها قناديلها وشموعها وبينها وبين الكنيسة وحول الكنيسة «الهيكل» مكان متسع لوقوف المصلين من الأقباط. هذا غير ما للأقباط من حقوق أخرى تماثل ما لباقي الطوائف كوضع قناديل فوق المغتسل وبداخل القبر وخارجه، وإجراء المراسم الدينية المعتادة يوميا «ليلا ونهارا» في جميع أنحاء القيامة.