وكتب الوليد اسمه منقوشا بالفسيفساء فوق الكرنيش الموضوع على المثمن الذي يحمل قبة الصخرة، وذلك عند مدخل الباب الجنوبي كما يأتي: «بنى هذه القبة عبد الملك أمير المؤمنين في سنة اثنتين وسبعين، تقبل الله عنه، ورضي الله عنه، آمين.» ولكننا نجد الآن اسم عبد الملك ممسوحا، ونجد في محله اسم الخليفة المأمون. كما يمسح الملك المتأخر اسم الشوارع التي تحتل اسم الملك المتقدم، ويدل على هذا التغيير الطارئ في قبة الصخرة إقحام الحروف الجديدة في المكان الممسوح، وازدحامها، واختلاف لون البلاط الذي يحملها، ونسيان الكاتب - سامحه الله - أن يغير التاريخ الأصلي؛ إذ أصبح المأمون بهذا النسيان قد شاد هذا البناء قبل أن يولد بنحو مائة سنة فقط! والواقع أن قبة الصخرة احتاجت في زمن المأمون إلى ترميم ففعل الخليفة ذلك، وطمع أن يخلد اسمه مكافأة على هذا الترميم، وإن شكل القبة ومظهرها لم يتغير تغييرا يذكر منذ الزمن الأموي إلى اليوم مع كل ما أصابها من الزلازل والكوارث.
على أن الكتاب العرب الأولين لم يذكروا أن عمر بن الخطاب بنى مسجدا في بيت المقدس باسمه، خاصة والمسجد الموجود الآن الذي يزدان باسمه العظيم هو مسجد ضئيل لم يلتفت إليه أحد من الجغرافيين المتقدمين، والغالب أنه مسجد بني ليخلد ذكرى صلاة اشتهرت في الخافقين امتنع عمر أن يقيمها في كنيسة القيامة فأقامها في هذا المكان الصغير - امتنع عمر أن يقيمها في الكنيسة لشعورين عميقين متأصلين في نفسه؛ شعوره بالحق من جهة وشعوره بأنه سيكون شخصية مقدسة من جهة أخرى، فلو أنه صلى في كنيسة قيامة المسيح ما أمن عليها من أتباع محمد.
قال أبو الفداء في معجم البلدان: «واتفق أن الإفرنج في هذه الأيام «القرن الخامس للهجرة» خرجوا من وراء البحر إلى الساحل فملكوا جميع الساحل أو أكثر، وامتدوا حتى نزلوا على بيت المقدس فأقاموا عليها نيفا وأربعين يوما، ثم ملكوها من شمالها من ناحية باب الأسباط عنوة في اليوم الثالث والعشرين من شعبان سنة 492، ووضعوا السيف في المسلمين أسبوعا، والتجأ الناس إلى الجامع الأقصى فقتلوا فيه ما يزيد على سبعين ألفا من المسلمين، وأخذوا من عند الصخرة نيفا وأربعين قنديلا فضة كل واحد وزنه ثلاثة آلاف وست مائة درهم فضة، وتنور فضة وزنه أربعون رطلا بالشامي، وأموالا لا تحصى.» والظاهر أنهم حولوا قبة الصخرة إلى كنيسة والمسجد الأقصى إلى قصر لسكنى مليكهم، وجعلوا القمم الأدنى منه إسطبلا للخيل ومأوى للخنازير. ولم يزل في أيديهم حتى استعاده الملك الناصر صلاح الدين يوسف سنة 583 بعدما بقي في أيدي الإفرنج إحدى وتسعين سنة.»
ويستدل من الآثار والكتب التي بأيدينا على أن الصخرة في إبان الاحتلال الإفرنجي كانت تقطع منها القطع لأخذها إلى أوروبا على سبيل الأثر، فإن الكهنة الذين كانوا على سدانتها كانوا يتناولون أثمانا بهيظة يبيعون بها هذه القطع. وقيل: إن سوء الاستعمال هذا أدى إلى تبليط الصخرة لحمايتها، فأمر السلطان صلاح الدين بإزالة البلاط عنها.
ولما استعاد السلطان صلاح الدين بيت المقدس أعاد الحرم إلى الحالة التي كان عليها، وأمر بترميم محراب المسجد الأقصى وكتب عليه بالفصوص المذهبة: «باسم الله الرحمن الرحيم، أمر بتجديد هذا المحراب المقدس وعمارة المسجد الأقصى الذي هو على التقوى مؤسس: عبد الله ووليه يوسف بن أيوب أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدنيا والدين عندما فتحه الله على يديه في شهور سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، وهو يسأل الله إذاعة شكر هذه النعمة، وإجزال حظه من المغفرة والرحمة.»
ولما احتل الإنكليز فلسطين في سنة 1917م، ودخل الجنرال اللنبي مدينة القدس دخولا رسميا في اليوم الحادي عشر من ديسمبر من تلك السنة، كانت الحكومة البريطانية قد أصدرت في اليوم الثاني من نوفمبر سنة 1917م تصريحا يدعى تصريح بلفور، وترجمة هذا التصريح هي كما يأتي: