تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمعتقد الآن أن النقوش الحميرية الجنوبية لم تجاوز في رحلتها نحو الشمال في أثر سلطان اليمن السياسي «بلاد مدين»، وأن ظهورها في تلك الأنحاء كان أثرا من آثار الاستعمار اليمني لديار اللحيانيين والثموديين والصفويين، لم يلبث أن زال بزوال ذلك السلطان. وقد نفت المقارنة التي عقدت بين النقوش الحميرية، وأقدم النقوش العربية وجود أية علاقة بينهما.

5

وعند ابن خلدون في كلام له يتصل بهذه النظرية الجنوبية

6

أن الخط بلغ في دولة «التبابعة» في اليمن مبلغا من الإحكام والإتقان والجودة، لما بلغت دولة التبابعة من الحضارة والترف، ويذهب إلى أن الخط انتقل من اليمن إلى الحيرة، لما كان بها من دولة «آل المنذر» نسباء التبابعة في العصبية والمجددين لملك العرب في العراق. ثم يذهب في زعمه إلى أبعد من ذلك فيقول: «ومن الحيرة لقنه أهل الطائف وقريش.» ويقع ابن خلدون بذلك في الخطأ الذي وقع فيه كثير من غيره، فهو يعتقد أن الخط الذي انتهى إلى قريش فكتبت به في الإسلام متصاعد إلى الحيرة من اليمن، ثم منحدر من الحيرة إلى الحجاز، وبمعنى آخر يرى أن الأصل في الخط العربي الحجازي خط التبابعة في اليمن وهو «المسند الحميري». وقد أثبت البحث العلمي إسراف هذه النظرية العربية في الخطأ. على أن «ابن خلدون» يعترف في كلامه عن الخط العربي أن الخط «المسند» خط منفصل الحروف، وليس الخط العربي الذي انتهى إلى قريش على هذه الصورة.

وثمة نظرية عربية أخرى يذكرها عدد من المؤرخين العرب، وعلى رأسهم البلاذري

7

الذي يروي عن عباس بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن جده، وعن الشرقي بن القطامي أن ثلاثة من «طي» اجتمعوا «ببقة»،

8

هم: «مرامر بن مرة»، و«أسلم بن سدرة»، و«عامر بن جدرة»، وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية ... فتعلم منهم قوم من أهل «الأنبار»، ثم تعلم عن هؤلاء نفر من أهل «الحيرة». يقول: وكان «بشر بن عبد الملك» أخو «لأكيدر» صاحب دومة الجندل، يأتي الحيرة فيقيم بها الحين، فتعلم الخط العربي من أهلها، ثم أتى مكة في بعض شأنه، فرآه «سفيان بن أمية بن عبد شمس» و«أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب» يكتب، فسألاه أن يعلمهما الخط، فعلمهما الهجاء، ثم أراهما الخط فكتبا، ثم أتى «بشر وأبو قيس» الطائف في تجارة يصحبهما «غيلان بن سلمة الثقفي»، وكان قد تعلم الخط منهما، فتعلم الخط منهم نفر من أهل الطائف. ثم مضى «بشر » إلى ديار «مصر»، فتعلم الخط عنه نفر منهم، ثم رحل إلى الشام، فتعلم الخط منه أناس هناك، وهكذا عرف الخط بتأثير الثلاثة الطائيين عدد لا يحصى من الخلق في العراق والحجاز وديار مصر والشام.

تحاول هذه النظرية أن تفسر لنا كيف انتهت الكتابة إلى الحجاز من إقليم الحيرة، ونحن نستسيغ منها أن تكون «الحيرة» مركزا من مراكز تعليم الخط، لا ضير في ذلك؛ لأن خط العرب الشماليين انتهى في وقت ما، كما أثبت البحث الحديث، إلى هذه البقعة في رحلته من موطنه الأول إلى الحجاز، بطريق العراق فدومة الجندل؛ ونستسيغ منها كذلك أن تكون «الأنبار» قد تلقفت هذا الخط من بعض جهات الشام، ثم أزجته إلى الحيرة قائمة بدور الوسيط؛ ثم نستسيغ منها أيضا أن تكون دومة الجندل طريق انتقال ذلك الخط إلى المدينة ومكة.

نستسيغ ذلك كله، ولكنا لا نكاد نفهم لماذا يناط انتقال الخط بشخصية «بشر بن عبد الملك» الكندي الذي تجعل منه الرواية جائلا يكلف نفسه مشقة الانتقال في أرجاء مترامية في شبه الجزيرة يعلم الخط؛ وهو ذلك «الأرستقراطي» المترف الذي لا يجول لهذا الغرض. وانتقال ظاهرة ثقافية كظاهرة الكتابة أمر يكون بطبعه بطيئا، ويصعب أن نستفيد من الرواية شيئا هاما آخر، فعلى فرض أن شخصية بشر هذه وجدت حقا، وكلفت نفسها مثل هذه المهمة الشاقة، فلا بد أنها قد عاصرت «سفيان وحربا» ولدي أمية، بمعنى أن الكتابة العربية الشمالية لا بد أن تكون قد رحلت رحلتها من الحيرة صوب شبه الجزيرة في خواتيم القرن الخامس الميلادي.

المسألة اليهودية · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة اليهوديةص ٢٧