وتهمل رواية ابن النديم
9
ذكر اسم بشر، وتحل محله في هذه المهمة اسم «أبي قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب»، واسم «حرب بن أمية»، وتنسب إلى واحد منهما نقل الكتابة من الحيرة إلى الحجاز. ولا نرى تفسيرا لهذا التناقض خيرا من القول بأن انتقال الكتابة كان نتيجة لرحلة الأعراب من شبه الجزيرة إلى وادي الفرات، والعكس، بقصد تبادل المنافع بالتجارة.
وإن صح أنه كانت لمرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة، جهود في شأن الكتابة العربية، فلا تعدو هذه الجهود أن تكون اقتطاعا لخط يكتب به العرب من خطوط النبط الذين كانوا يجاورون حوض الفرات الأوسط «في حوران». على أن الشك يعتور أسماءهم ذاتها، فهي أسماء يغلب عليها التسجيع، ويغلب أن تكون هذه الأسماء قد صيغت على هذا النحو من السجع ليحسن وقعها في الأسماع، والحق أنه يصعب أن يقوم ثلاثة من بولان من طي بمهمة «أكاديمية» شاقة كهذه لمجرد الرغبة في توفير خط يكتب به الأعراب!
يكاد يكون هناك اتفاق على أن العرب لم يصيبوا دراية بالكتابة إلا حيث كان لهم بالمدنية اتصال. وقد كان اتصال العرب بالمدنية نتيجة لانتجاعهم تلك الأطراف الغنية المحيطة بشبه الجزيرة «في اليمن ووادي الفرات وسوريا ونجوع النبط وحوران». هنالك خرجت بعض القبائل العربية عن طبيعتها البدوية، وعرفت نوعا من الاستقرار، وأخلدت إلى حياة جديدة، واتخذت أساليب الحضر في كثير من طرائق المعيشة ومظاهر العمران. وكان أكثر تلك القبائل العربية تأثرا بالحضارة ما نزل منها على تخوم الشام، لطول عهدها بالاحتكاك بحضارة الرومان، ففي المنطقة الممتدة من شمال الحجاز وخليج العقبة وحيث يقع الآن إقليم شرق الأردن، حتى منطقة دمشق نزلت قبائل من الأعراب تمت إلى عرب الجنوب بصلة وثيقة، ولم تلبث أن تكونت لها في موطنها الجديد وحدة جغرافية خاصة، ونشأت لها في ديارها هذه ثقافة العرب الجنوبيين.
10
عظم شأن هذه القبائل بضعف الدولة الرومانية والأمم المتمدينة المجاورة لها، وبفضل ما كسبته لنفسها بمرور الزمن من مران على القتال والتجارة، تكونت منها وحدات سياسية عربية الأصل كما لا يخفى، أهمها «الأباجرة» في «أذاسا» «والأرزاس» في «البطراء»
11
وتدمر، وتعرف مملكة هؤلاء الأرزاس باسم مملكة «النبط»، وظلت عاصمتهم «البطراء» مزدهرة زهاء خمسة قرون، كانت في خلالها مركزا تجاريا عظيم الأهمية على طريق القوافل بين سبأ «اليمن» والبحر المتوسط. ومهما يكن من أمر هؤلاء النبط فهم عرب أغاروا أول أمرهم على أقاليم آرامية، وتحضروا بحضارتها، واستخدموا لغة الآراميين وكتابتهم في سائر شئونهم العمرانية، وإن احتفظوا بلغتهم العربية التي ظلوا يستعملونها في شئونهم الخاصة وأحاديثهم اليومية.
12
ابتدع هؤلاء لأنفسهم خطا اشتقوه من الخط الآرامي هو الخط الذي عرف باسمهم، وإنه على الرغم من أن مملكة النبط «169ق.م-106ب.م» قد تلاشت من الوجود في أوائل القرن الثاني الميلادي، إلا أن طريقتهم في الكتابة ظلت باقية يستخدمها الأعراب النازلون في أقصى شمال شبه الجزيرة زهاء قرون ثلاثة
13
فعرب هذه الأقاليم الشمالية مروا بكتابتهم في مراحل ثلاث؛ الأولى: المرحلة الآرامية، والكتابة الآرامية التي اتخذها الأنباط قبل اتخاذهم خطا خاصا بهم مربعة الحروف تقريبا «ومن سلالتها التدمرية والعبرية». والثانية: مرحلة انتقال من الخط الآرامي المربع إلى الخط النبطي. والثالثة: مرحلة نضج انتهى فيها الخط النبطي إلى صورته المعروفة التي تميل إلى الاستدارة رغم ما يبدو فيها من نزوع إلى التربيع. ودراسة هذه المرحلة لا تهم إلا الباحث في تطور الكتابة،
14
ولا تهمنا في إلمامة كهذه، وقد أثبت البحث العلمي أن العرب اشتقوا خطهم من هذا الخط النبطي.