مضى القرنان السادس عشر والسابع عشر، ولم يظهر فيهما من المؤلفات ما يستحق الذكر، على نقيض القرن الثامن عشر الذي ظهر فيه اتجاه جديد، وهو دراسة اللغة العبرية دراسة مقارنة، وقد حملت لواء تلك النهضة، المدرسة الهولندية، وعلى رأسها «ألبرت شولتنز» المتوفى عام 1750م، و«شرودر» الذي فارق الحياة في عام 1798م. أما العبرية كما تدرس اليوم في الجامعات العالمية، فإنها تدين في تطورها للمستشرق الألماني «وليم جيزنيوس» «3 فبراير 1786-23 أكتوبر 1842م»، فقد نشر في عام 1813م كتابه المشهور في قواعدها، ولا أدل على النجاح الذي صادفه من أن العلماء الألمان أعادوا طبعه تسعا وعشرين مرة، وفي آخر طبعة حاول إخراجها الأستاذ «برجشتراسر» عام 1918م.
وعدا هذا العالم المسيحي كان هناك في ألمانيا زعماء هذه المادة مثل «أفالده»، و«الهوزن»، و«شتاده»، و«كاله»، و«بروكلمان»، كلهم من المسيحيين، ويعد «كاله» زعيم علماء النحو العبري في قرننا هذا. (5) اللغات السامية والكتابة العربية
عند الباحث «إبراهيم جمعه» أن المصادر العربية الأدبية تكاد تجمع على أن الخط الذي كتب به العرب «توقيفي»، علمه آدم عليه السلام فكتب به الكتب المختلفة، فلما أظل الأرض الغرق، ثم انجاب عنها الماء، أصاب كل قوم كتابهم، وكان الكتاب العربي من نصيب إسماعيل عليه السلام.
1
وهذا الرأي لا يقوم على أساس من العلم، أو سند من التاريخ الصحيح، قال به العرب وأشاعوه لتأييد النظرية التي تذهب إلى أن إسماعيل أبو العرب المستعربة التي منها قريش، أول من تكلم العربية، تعلمها من العرب المتعربة، ثم تعلمها منه بنوه.
2
ولقد فطن إلى ما في هذا الرأي من غثاثة المؤرخ الاجتماعي «ابن خلدون»، الذي يقرر «في المقدمة» أن الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية، فهو على هذا ضرورة اجتماعية اصطنعها الإنسان ورمز بها للكلمات المسموعة، وهو - على ما هو معروف - المرتبة الثانية من مراتب الدلالة اللغوية، تابع في نموه وتطوره - شأن كثير من الصناعات المعاشية - لتقدم العمران ... وهو لذلك ينعدم مع البداوة، ويكتسب بالتحضر، لا يصيبه البدو عادة إلا مقيمين على تخوم المدنية.
والمعروف أن العرب اشتغلوا من قديم الزمن بنقل التجارة عبر شبه الجزيرة، بين اليمن والبطراء، وجنوب الشام، وأنه كانت لقريش بوجه خاص علاقات تجارية مع أهل الشمال وأهل الجنوب، مع الأنباط والغساسنة في تخوم الشام، ومع المناذرة واللخميين في إقليم الحيرة، ومع العرب الجنوبيين في اليمن، ويشير القرآن إلى رحلتي الشتاء والصيف إلى تلك الأنحاء، وكانت تقوم بهما قريش بقصد التجارة والكسب في الجاهلية، فأفادت منهما شيئا غير يسير من أسباب الحضارة ومظاهر العمران.
3
هذا؛ وقد شاع بين العرب أن خطهم مشتق من «المسند الحميري»، وأصحاب هذا الرأي، سواء من القدماء، أو ممن نحوا نحوهم في البحث، لا يستندون إلى دليل مادي، فليست هناك علاقة ظاهرة بين خطوط «حمير» في اليمن، وبين الخط العربي الذي انتهى إلينا. ويرجح أن يكون منشأ هذه النظرية أن اليمن التي فرضت في وقت ما سلطانها السياسي على بعض الأمم العربية الشمالية، في حكم دولتي «سبأ وحمير» في القرنين الأول والثاني قبل الميلاد، لا بد أن تكون قد فرضت على تلك الأمم ثقافتها كذلك. وقد يكون الباعث على هذا الرأي ما يعرفه العرب من أن مؤسسي الدولة «السباية» في اليمن أصلهم من إقليم «الجوف» في شمال نجد والحجاز، وهو الإقليم الذي كان الآشوريون يعرفونه باسم إقليم «عريبي»، وكانت تحكمه ملكات من بينهن ملكة سبأ.
4
لهذا لا يبعد أن تكون هذه العلاقات السياسية، وعلاقات الهجرة بين بلاد العرب الجنوبية وبلاد العرب الشمالية، سببا في الاعتقاد بأن العرب الشماليين اشتقوا خطهم من الخط «المسند الحميري» الجنوبي.