تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن التاريخ يحدثنا أن اليهود لم يكتبوا كتبا علمية في قواعد لغتهم إلا بعد أن تتلمذوا للعرب، وبعد أن نشئوا في مهد الثقافة الإسلامية نشأة مكنتهم من فهم العلوم العربية على اختلاف أنواعها، ففي أواخر القرن التاسع والنصف الأول من العاشر الميلادي ظهر «سعديا» «892-942م»، وهو سعيد بن يوسف الفيومي، فيلسوف اليهود في القرن العاشر، فقد تأثر سعديا هذا لا بالعلوم اللغوية العربية فقط، بل بالعلوم الدينية الإسلامية أيضا، وتشربت روحه بمذهب المعتزلة، حتى إنه استعان به عند معالجته للديانة اليهودية، ويطلق عليه نحويو اليهود «أبا النحو العبري»، فقد وضع مؤلفا يقع في اثني عشر كتابا يسمى «كتب اللغة»، وهو يعد أول مؤلف منظم في قواعد اللغة العبرية، ومن بواعث الأسف أن أكثره قد فقد، وقد عالج فيه الأبجدية، وخواص الحروف الحلقية، وإبدال الحروف وإدغامها، وتصريف الأفعال، كما عالج الأسماء والحروف، كذلك وضع كتبا أخرى بالعربية والعبرية لسنا في حاجة إلى الإشارة إليها هنا، وحسبنا أن نذكر مؤلفه العظيم «أجرون»؛ أي «معجم لغوي»، فقد قسم فيه الكلمة إلى «أصل» و«زيادة»، أو بمعنى آخر إلى أصل وعلامة إعراب، وقد أورد فيه قائمة تشتمل على تسعين كلمة عبرية وآرامية نادرة الوجود في العهد القديم، فاسترعى بذلك النظر إلى وجوب العناية بالدراسة المقارنة التي عالجها هناك في الوقت نفسه «يهوذا بن قريش»، الذي ولد في شمال غربي أفريقيا. وغير سعديا ويهوذا نجد أمثال «مناحم بن سروق» اليهودي الإسباني «حول عام 960م»، و«دونش بن لبراط» تلميذ سعديا، وقد ولد في مدينة «فاس»، وهو يعد أول من قسم الفعل العبري إلى خفيف «مجرد» وثقيل «مزيد»، كما أنه استخدم معلوماته في اللغة العربية وطبقها على العبرية، وخاصة العروض، واستعان باللغة العربية في فهم الكتاب المقدس، فقارن بين اللغتين، واستشهد على وجوب العناية باللغات السامية بذكر قائمة تشتمل على مائة وسبعين كلمة من الكتاب المقدس لن تفهم إلا عن طريق اللغة العربية.

ومن الشخصيات الأخرى التي ساهمت في تاريخ النحو العبري «يهوذا بن داود» الملقب «حيوج»، فقد اهتم هذا النحوي باللغة العربية اهتماما عظيما يرجع إليه الفضل فيما وصل إليه من نتائج خاصة، عندما عرض للأفعال ذات الحروف اللينة أو اللفيفة المقرونة، وقد مهدت مؤلفاته وما كتبه المتقدمون من عرب وعبريين إلى ظهور العلامة أبي الوليد مروان بن جناح في النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي، وقد عرض مروان هذا إلى ما ألفه «حيوج» ونقحه، كما أنه ألف كتابه المشهور «التنقيح»، وهو يقع في جزءين: الأول في القواعد واسمه «كتاب اللمع»، والثاني يشتمل على معجم لغوي أسماه «كتاب الأصول»، سلك في تأليفه الطريق الذي سلكه نحويو اللغة العربية. ويعد كتابه من أحسن الكتب في قواعد اللغة العبرية. وإذا استثنينا «مناحم» و«دونش» فإن علماء إسبانيا جميعا قد ألفوا باللغة العربية، لذلك بقيت مؤلفاتهم غير معروفة لدى يهود أوروبا القاطنين خارج البلاد الإسلامية، حتى ظهرت شخصية «أبراهام بن عزرا» المتوفى عام 1167م، فألف ثمانية كتب باللغة العبرية، عرف يهود العالم المسيحي عن طريقها مؤلفات أمثال حيوج ومن جاءوا بعده. وإلى جانب ابن عزرا قام يهودي إسباني آخر اسمه «يوسف بن إسحاق قمحي» في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، وخلفه ابناه موسى وداود قمحي، وإن كانا لم يأتيا بجديد فيما كتباه عن النحو العبري، إلا أنهما يعدان خير من ظهر في القرن الثالث عشر، كما أن كتبهما تعد أحسن مما ألف في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. أما القرن السادس عشر، فيعد الحد الفاصل في تاريخ النحو العبري، فقد كان ذلك العلم حتى ذلك الحين وقفا على اليهود لم ينازعهم فيه منازع حتى ظهرت حركة إحياء العلوم في أوروبا، وقربت بين اليهود والمسيحيين، فأقدم الأخيرون على دراسة اللغة العبرية للعلم والعلم فقط، ولفهم الكتاب المقدس فهما علميا صحيحا على ضوء حركة الإصلاح الديني التي أخذت تظهر في أوروبا في ذلك القرن. وظهرت بوادر هذا الاهتمام في مؤلفات أمثال «يوحنا رويشلين» الذي ألف كتابا في قواعد اللغة العبرية عام 1506م. وقد ترك هذا الكتاب الذي وضع باللاتينية أثرا بعيدا في الجامعات الألمانية، فأفسحت لهذه اللغة صدرها، وأولتها عنايتها. وبعد موت «رويشلين» عام 1522م، ظهر في ألمانيا عالم يهودي يدعى «إليا لفيتا»، وقد بذل مجهودا كبيرا في سبيل نشر هذه اللغة حتى توفي في عام 1549م.

المسألة اليهودية · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة اليهوديةص ٢٥