ومما يستحق الذكر أنه كان هناك بعض لهجات خاصة عند بعض الطوائف، وقد ورد أن الأفرانيميين كانوا يلفظون الشين سينا فيلفظون «شبولت» مثلا «سبولت»؛ أي سنبلة (قض 6:12). وجاء أنه كان للأشدوديين لهجة خاصة (نح 24،23:13).
وبعد أن انحطت اللغة وبطل استعمالها تدريجيا في الكلام، جمعت الأسفار في كتاب واحد هو المسمى بالعهد القديم، وأخذ علماء اليهود في شرحه وترجمته، وأول ترجمة كانت إلى اليونانية، ويقال لها: الترجمة السبعينية؛ لأنها تمت على يد سبعين مترجما في أوقات مختلفة، فابتدئ بترجمة الأسفار الخمسة في عهد بطليموس فيلادلفوس في الإسكندرية لفائدة اليهود القاطنين فيها وفي بلاد اليونان نحو سنة 280ق.م. ثم أتت بعدها الترجمة السريانية. وقد قام بترجمة الأسفار الخمسة وبقية أونقلوس والأسفار الأخرى يونانان بن عزئيل في فلسطين وبابل في أواخر القرن الأول. وبعدها كانت الترجمة المصرية «القبطية» بين القرن الثاني والثالث للمسيح.
وأما التفاسير والشروح والأحكام الشرعية والقضائية، فقد كتبت في المشنا في القرن الثالث والجمارا «أي التلمود».
والمشنا هي ابتداء اللغة الحديثة. وأما الجمارا فتقرب كثيرا من الكلدانية في القرن السادس، وتختلف لغة المشنا عن لغة التوراة في الأمور الآتية: (1)
وجود كلمات آرامية، ووضع صيغة الجمع بالآرامية بالنون. (2)
وجود نحو 300 كلمة دخيلة من اليونانية واللاتينية. (3)
كثرة استعمال أفعال المطاوعة واسم الفاعل. (4)
استعمال الضمائر الوصولية في حالة الإضافة في الملكية. (5)
زيادة عدد الحروف والظروف، وتحديد استعمالها. (6)
استعمال كلمات من التوراة في غير معناها الأصلي، واشتقاق أفعال منها. (7)
استعمال بعض ألفاظ مخالفة لقواعد اللغة حسب الظاهر.
وكان الإسرائيليون القاطنون في فلسطين وبابل يومئذ يحافظون على نسخ التوراة العبرية مع الدقة والحرص حتى على كل نقطة كتبت فيها لازمة كانت أو غير لازمة. وقد اعتمد عليها المترجمون كلهم في الترجمة والمقابلة مثل إيرونيموس في ترجمته اللاتينية عن السبعينية وأورجانوس في جمعه الهكسابلا؛ أي مجموع خمس ترجمات مع الأصل العبري في كتاب واحد نحو القرن الثاني.
وكان متن التوراة إلى الجيل الأول مؤلفا من حروف فقط بدون حركات وفواصل بين الآيات والفصول. وقبل انتهاء كتابة التلمود بقليل شرع العلماء اليهود في وضع الحركات لزيادة الضبط، وأقدم نظام للحركات كان البابلي والآشوري، ولكنه لم يستعمل إلا قليلا، وبطل مع تمادي الأيام، وأبدل به النظام الطبراوي، وهو المستعمل إلى يومنا هذا مع بعض إضافات، مع الدقة والكمال، وهو يحتوي على 18 حركة منها ما تدل حتى على نصف حركة وربع حركة، وهو أتم من نظام حركات بقية اللغات السامية. وقد أخذ السريان عنهم نظام حركاتهم، ووضعوا أيضا حركات لحنية منها 19 فاصلة و8 واصلة تستعمل في التوراة، و22 فاصلة وواصلة خاصة بأسفار أيوب والأمثال والمزامير، وفي أواخر ذلك الجيل؛ أي السادس، قرر الباحثون بعد التدقيق والانتقاد قراءة الكتاب المقدس العبري الحاضرة، وهي المعروفة بالماسورة، وإليها ينسب وضع الحواشي الموجودة في الكتاب.
ولما انتقل بعض اليهود من الشرق إلى أوروبا أخذوا معهم نسخا عديدة من الكتب المقدسة يعتمد عليها. من هذه نسخة: جليل، وجدت في إسبانيا، ونسخة ابن شير وابن نفتالي رئيسي مدرستي بابل وطبريا، ونسخة أريحا، وهي أصح نسخ الشريعة الموسوية، والنسخة الهندية، والنسخ السينمائية، ونسخ عديدة غيرها يبلغ عددها نحو 854 نسخة جميعها في مكاتب أوروبا.
وقد حفظت إلى الآن عند السامريين في نابلس نسخ من الخمسة الأسفار بالخط السامري القديم، وهم يدعون أن عندهم نسخة باقية بخط فينحاس بن أليعازار بن هارون. أما ادعاؤهم أقدمية هذه النسخة فباطل؛ لأنه قد ثبت أنها مأخوذة عن الترجمة السبعينية مع بعض تغييرات موافقة للمعتقد السامري. ومن مقابلة هذه النسخ جميعها يبين أنها قد حفظت مع التدقيق والصحة، وأن اختلاف القراءات لا يمس عقيدة أو عملا، بل يسير على دقة لهجة بعض كلمات وضبط حركاتها.