تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثانية لغة الجزيرة؛ أي جبال طور عبدين، وهي أقل فسادا من السابقة، وأكثر قربا من اللغة الفصيحة يتكلمها السريان اليعاقبة. (3)

الثالثة يسميها الإفرنج الفلسطينية، كانت يوما في بلاد الشام وفلسطين، واليوم محصورة في قرية معلولا. فيها مسلمون يتكلمون هذه اللغة ونصارى كاثوليك، وهي تقرب من الشرقية، وأهلها يلفظون القوف «ق» كافا والتاء المثناة جيما. وقد هذب البروتستانت هذه اللغات ودرسوها وطبعوا كتبا فيها إلا لغة معلولا.

وبإجمال الكلام: إن هذه الفروع السبعة تلفظ كلفظ الشرقيين إلا لغة جبل الطور ولغة معلولا، وإن لغة بابل تقرب من الآرامية الأصلية، ثم الكتابية المشهورة الآرامية الأصلية، ثم الكتابية المشهورة الآن، ثم لغة معلولا، ثم لغة المندوبين، ثم السامرية، ثم لغة طور عبدين، ثم لغة آشور، ومع اختلافها من بعض في كثير من الأمور تتفق لغة بابل مع السامرية ولغة معلولا فقط بحرف المضارعة اليود «ي» من «أنيت أنيت» كما في العربية والعبرية. وتتفق السبعة إلا الكتابية والآشورية والطورية في جميع الأسماء الخالية من تاء التأنيث بزيادة الياء المشددة في آخرها، والسامرية تتفق مع المعلولية في صيغة الفعل التي لا توجد في العربية والعبرية.

ثم تتفق البابلية مع العربية في: (1)

ضمير المتصل للمؤنث، وهو: هاو جمع المتكلم نا. (2)

وفي ك الضمير للإشارة. (3)

في ياء المضارع: يكتتبون. (4)

وفي مصادر الأفعال المزيدة التي في أولها ألف مثل استلام، إدراك. (5)

وفي ك التشبيه، وفي مشابهة ألفاظ كثيرة في الصيغة والمعنى أيضا. (2) الكتابة

كان المذهب الشائع أن الكتابة اخترعتها الأمة الفينيقية، وبمهاجراتها علمتها الأمم. ومن جملتها الأمة اليونانية. وكانت إذ ذاك «فينيقيا» بقعة صغيرة من بلاد السريان، ولكن الحقيقة هي أن الفينيقيين تعلموها من البابليين؛ لأن التاريخ لم يشهد لهم في العلوم كما شهد للبابليين والآشوريين الذين وضعوا أسس العمران في العالم، فظهرت عندهم العلوم والمعارف، ولا سيما علم الفلك والرياضيات. وقد شهد بذلك إقليميس الإسكندري في القرن الأول، وبلينيوس الفيلسوف في القرن الثاني، وديودوروس الصقلي. وقد ثبت أن الحروف الأبجدية اليونانية أخذت عن السريانية وزادوا عليها بعض الحروف والألف كعادة السريان اليوم، ألفا، بيتا، جما، دلتا ... إلخ. ولكن السريان اليوم أسقطوا الألف من أواخرها، وقد اتفقا في حساب الجمل.

وزعم يوسف هلفي الفرنسوي أن الفينيقيين نقلوا الكتابة عن المصريين، وأن الحروف التي أخذوها عنها هي 13 حرفا فقط أ ب س م ر ط ك ن ف ت ع ه ش. ولكن هذا ليس بمعقول وغير محقق، وتوجد أدلة تدحضه: (1)

العين والطاء لا توجدان في المصرية. (2)

ثم لو كان الساميون أخذوا 13 حرفا فقط واخترعوا البقية لسردوها بعدها، ولما فرقوها بين الحروف المأخوذة. (3)

ومن المعقول أنه كانت عند المصريين حروف أخرى غير ال 13 حرفا، فيستبعد أن يكونوا أخذوا البعض وتركوا البقية واخترعوا صورا جديدا لبقية الحروف. (4)

يزعمون أن أسماء هذه الحروف متشابهة عند المصريين والساميين، ولكن ليس من يعلم البتة كيف كانت أسماء الحروف عند المصريين، حتى إن القبط أولاد المصريين القدماء استعاروا أسماء يونانية عندما اتخذوا أبجديتهم في القرون المتأخرة. (5)

ومن أمعن النظر مليا في صور الحروف المصرية الثلاثة عشرة لا يرى أدنى مشابهة للحروف السامية.

وإنه لأمر معلوم أن الرومانيين أخذوا صناعة الخط عن اليونانيين أو عن الذين تعملوا منهم «أي عن السريان»؛ فإنه مسطور في صحف اليونانيين القدماء أنه في سنة 2560ق.م، جاءت فئة من أهل الشام بزعامة رجل اسمه قدم إلى أرض اليونان، وأخذت معها صناعة الكتابة، وصار اليونانيون يكتبون بالسريانية، وحفظوا أسماءها السريانية بعينها، وأبقوها على الترتيب والصيغة الأصلية مع الألف الملحقة، بخلاف اللاتينيين الذين أضاعوها، وبدءوا يكتبون من اليمين إلى اليسار، ثم تركوا هذه العادة، وربما صاروا يكتبون على أسلوب الحراثة، ثم من اليسار إلى اليمين إلى يومنا هذا. ومن العجب أنه لا يوجد من يكتب من اليمين إلى اليسار إلا السريان والعرب والعبران والبهلويون؛ أي الفرس القدماء.

المسألة اليهودية · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة اليهوديةص ١٩