وفي عهد أكبر كانت جميع المناصب مفتوحة للهندوس، غير أنه في الواقع كان للهندوس 51 منصبا كبيرا من 415 أكثرهم من الراجبوت، وفي خلال أربعين عاما شغل براهميان منصبين كبيرين. كذلك كان عدد المناصب العسكرية والمدنية التي شغلها الهندوستانيون الذين دانوا للإسلام قليلا. أما كثرة الوظائف فكان يشغلها الإيرانيون والأفغانيون، وكان التعيين والترقية والعزل لا يجري وفاقا لقواعد مرسومة، بل كان أمرها تابعا لمشيئة الإمبراطور ذاته.
وكانت قوة الإمبراطورية برية، فلم يكن لها أسطول، وكانت الرشوة متفشية وكانت المرتبات لا تدفع بانتظام، وكان الإمبراطور يرث أملاك كبار الموظفين، ولم يكن هناك فصل بين السلطات ولا تخصيص للإدارات، بأن تكون هناك إدارة للزراعة وأخرى للتجارة وثالثة للتعليم.
ولعلنا في غنى عن القول بأن كثرة الشعب كانت فقيرة ومجهدة ومعرضة للمجاعات الناشئة من قلة الأمطار في بعض المواسم والأعوام، ولهذا كان يأكل الناس بعضهم بعضا، وكذلك كان يموت مئات الألوف جوعا ويباع الطفل بروبية واحدة. وكانت القلة تجني ثمار الطبقات الفقيرة العاملة، وأما المرافق العامة التي تؤديها الدولة كالطرق المعبدة والكباري والمستشفيات والخدمة الطبية والتعليم العام أو الكثير الصالح والبر بالفقراء، فتكاد تكون معدومة أو قليلة جدا. أما ثمرة الإحسان فكانت مقصورة على فئات معينة وبطريقة غير مطردة وتبعا للأهواء. أما الطبقة المتوسطة فكانت ضئيلة العدد والنفوذ، أما الطبقة العالية وهي تشمل طبقة الموظفين فكانت مستأثرة بالثروة والسيادة، مستمتعة بالملذات والدور والقصور، غير مترددة في اغتصاب عقارات صغار الملاك. وكانت الزراعة ولا تزال إلى اليوم المهنة الرئيسية التي تشغل 70 في المائة من السكان يعيشون في نصف مليون قرية متناثرة لا تزال على حالها منذ عهد المغول إلى اليوم عدا ما طرأ من تغيير ضئيل شامل حماية الملكية اليوم، أما مدن الهند فقليلة ويسكنها 11 في المائة من سكان الهند البالغ عددهم 388 مليونا، و800 ألف طبقا لإحصاء 1941.
هذا ويقول البروفسور ثاكور في كتابه عن «الإدارة الهندية إلى فجر الحكومة المسئولة»: إن أبناء القروي يكادون يعيشون كماشيته في حظيرتها وهو ينظر إليهم كما ينظر إليها، لا فرق بين الزرائب والعشش الطينية، وتختلف المزرعة الصغيرة بين الفدانين والنصف وبين الخمسة أفدنة حول القرية تقوم الأسرة على زراعتها وقلما تستأجر الآخرين لمساعدتها مستخدمة ثورين في فلاحتها على الطريقة العتيقة التي لم تعدل إلا في المزارع الكبيرة وعلى أيدي المتعلمين. وكان الملك يعين رئيس القرية «العمدة» ثم أصبح يتوارث الرياسة أبناؤه، يساعده أتباعه كالحاسب «الصراف» ويقوم بجميع الشئون المالية، والخفير «الشوكيدار» ويقوم بجميع أعمال البوليس، أما مناصبهما فوراثية في الأغلب.
ثم رجل الدين. وفي بعض القرى يوجد نجارون ونساجون وسقاءون وباعة البترول والزيت، هذا إلى تفشي الأمية وتفاهة النظرة إلى الحياة كما كانت من قبل، عدا الطبقات القليلة المستنيرة، وستظل الحياة القروية مقيدة بالطقوس الدينية والتقاليد والمواسم والحفلات المتوارثة والأمطار والمجاعات وأحوال الطقس القاسية والأسواق.
وفي السند كان أكبر يأخذ جزءا من المحصول مقابل الضريبة. أما في الجهات الأخرى فكانت هناك قواعد تنظم تقدير الضرائب وتحصيلها كأن تكون بقيمة ثلث متوسط المحصول في عشر سنوات، كذلك كانت هناك ضريبة كبيرة على الملح منذ عهد الموريين حين كانت الحكومة تحتكر الملح وتفرض عليه ضرائب ترانسيت وضريبة التوريد وكان احتكارا ملكيا في عهد أسرة جويتا. وكذلك كانت هناك ضريبة الترانسيت في عهد المغول كبيرة في البنغال وكانت تؤجر مقابل مبلغ سنوي.