ومن المألوف في الحبشة نظام التحكيم، وكثيرا ما يلجأ المتخاصمان إلى رجل محترم في الطريق ، يحتكمان إليه وينزلان عند حكمه.
ومما يذكر أن إيطاليا كانت تطمع في غزو الحبشة منذ زمن بعيد.
بدأت إيطاليا استعمالها الأفريقي بإنشاء شركة إيطالية اشترت ثغرا صغيرا يدعى «عصب» سنة 1869 من شيخها، وكانت من أملاك الباب العالي التركي، فاحتج على هذا البيع وعده باطلا؛ لصدوره من غير مالك، ولكن الشركة الإيطالية «شركة روباتينو» نزلت عن «عصب» إلى الحكومة الإيطالية التي أرسلت بعض التجار الإيطاليين للإقامة بها، على رأسهم «الكونت أنتونيلي» الذي عقد مع إمبراطور الحبشة منليك الثاني معاهدة صداقة، واحتلت إيطاليا ثغر مصوع وجزرا غيرها، وألفت مستعمرة إريتريا، منتهزة فرصة الثورة المهدية في السودان، وضعف مصر، وسعي كل من إنجلترا وفرنسا لتقسيم أفريقية الوسطى والشرقية، وواصلت إيطاليا احتلال بلاد في الحبشة، وطلب الإمبراطور منليك إلى الجنرال (جيته) إخلاء البلاد وضم منليك (هرر) إلى أملاكه. ووقعت حرب بين الرأس ألولا وهزم الجيش الإيطالي في يناير سنة 1887 على مقربة من روجالي، فأرسلت الحكومة الإيطالية في أواخر سنة 1887 جيشا عدده (25) ألفا، نصفه من الإيطاليين ونصفه من الأهلين، واحتل الجيش «صاتى».
وقد حدث في أثناء ذلك أن الملك يوحنا انتقض على الإمبراطور منليك وحارب جنود المهدي عند (القلابات) وقتل في مارس سنة 1888، وانهزمت جنوده بعد انتصارها في حياته.
وقد عقدت إيطاليا مع (منليك) معاهدة أوتشيالي، وبناء عليها قبل الإمبراطور أن تكون حكومة إيطاليا وسيطا بين الحبشة والدول الأجنبية في جميع المسائل.
وقد كتبت هذه المعاهدة من نسختين: نسخة باللغة الحبشية، ونسخة باللغة الإيطالية، والنسخة الحبشية تقول:
يجوز للإمبراطور أن يتخذ وساطة حكومة جلالة ملك إيطاليا سبيلا إلى تسوية جميع المسائل المتعلقة بالدول الأجنبية.
وبينما تقول النسخة الحبشية: «يجوز»، كانت النسخة الإيطالية تقول: «يوافق إمبراطور الحبشة إلخ»، وقد وقع منليك النسخة الحبشية ولم يوقع على النسخة الإيطالية، وفي 12 فبراير سنة 1893 أبلغ منليك الثاني الدول بأنه غير مرتبط بالمعاهدة الإيطالية التي نشرتها إيطاليا وفسرتها على أنها جعلت الحبشة تحت حمايتها. غضبت إيطاليا من الحبشة، وزحفت جنودها بقيادة الجنرال باراتيري، فاحتلت كسلا من بلاد السودان سنة 1894، ثم تقدمت إلى الحدود الحبشية، فانتصرت الجنود الإيطالية على جيش الرأس مانجاشا في سنة 1895، واحتلت أديجران وميكالي وأمبا ألاجي، ولكن منليك تقدم بجيشه ومعه الرأس ماكونن، فهزم الجيش الإيطالي شر هزيمة، وقتل منه الألوف وغنم ذخائره، وانتحر القائد الإيطالي الماجور توسلي، وانسحب الإيطاليون.
وطلب منليك أن تدفع إيطاليا له فورا 25 مليون ريال حبشي حتى يقبل وقف الحرب وعقد الصلح الذي عرضه القائد العام للجيوش الإيطالية في أفريقية وهو الجنرال باراتيري؛ ولكن إيطاليا رفضت الصلح على هذه الشروط فاستعد الجيش الإيطالي للحرب، وقسم نفسه أربعة أقسام، أحدقت بها الجيوش الحبشية وهزمتها، وأعاد باراتيري تنظيم الجيش الإيطالي، وهجم على (عدوة) التي وقعت فيها الموقعة المشهورة وقتل الجنرال أريمندي والجنرال دامبراميدا، وأسر الجنرال البريتوني، وأصيب الجنرال أنلينا بجرح خطير، وغنمت الحبشة 72 مدفعا وذخائر وأعلاما إيطالية و7000 أسير، وقتل وجرح 1000 إيطالي.
وهرب باراتيري وواصل منليك زحفه ودخل إريتريا واستولى على حصن كبير «أدي أوجري»، وحاصر الجنرال برسنتاري وحمله على التسليم في مايو سنة 1896.
وعينت الحكومة الإيطالية الجنرال بالديسيرا، وأراد أن يتقدم بجيش عدده 30000 ألف جندي، ولكنه وجد الهزيمة محققة، وأشار على حكومته بالصلح، فذهب وفد إيطاليا في 26 أكتوبر سنة 1896 إلى أديس أبابا وهناك عقدت معاهدة بين إيطاليا والحبشة اعترفت فيها إيطاليا باستقلال الحبشة استقلالا تاما.