هذا ولكل رأس من رءوس الحبشة «حكامها» حرس أو جيش لا يقل مجموع أعداده عن ربع مليون، وجيش غير نظامي لا يقل عدده عن نصف مليون، ولدى إمبراطور الحبشة طائرات وذخائر.
ثم إنه لم يكن للإمبراطورية الحبشية نظام مخصوص للجندية كنظام القرعة العسكرية المصرية أو كنظام التطوع لدى الدول الغربية، بل تطلب الجنود من الولايات بحسب سعة الولاية وضيقها. أما الجيش العامل في حفظ الأمن في وقت السلم فهو 200 ألف جندي. أما في وقت الحرب فتصبح الجندية فرض عين على كل رجل يستطيع حمل السلاح، والأحباش أكثر الناس شغفا بالحروب وأسرعهم قبولا لويلاتها، هكذا كانت الحبشة في غارتها على مملكة سنار وفي حربها الحملة المصرية التي كان يقودها السردار محمد راتب باشا بأمر إسماعيل، وكذا في واقعة القلابات وواقعة عدوة في سنة 1895م، وفي حرب الحبشة في عامي 1935 و1936، وفي استرداد بلادها بين 1942 و1943. أما القيادة العامة فللإمبراطور نفسه. والذي يراجع تاريخ الحبشة قل أن يرى إمبراطورا مات حتف أنفه كما حدث للإمبراطور ياهنس الرابع أي «يوحنا» الذي قتله أنصار المهدية وخلافه من أسلافه.
أما ولايات الحبشة فهي ثلاث عشرة ولاية، لكل منها ملك يلقب بالرأس، وهو حاكم الولايات القائم بشئونها الإدارية والسياسية تحت إشراف الإمبراطور أو النجاشي، وهناك ألقاب أخرى وهي دجاح ودجاز جماج وفيتواري وقيفا زماج وغير ذلك من الألقاب. وتتألف من تلك الممالك الصغيرة إمبراطورية ذات شأن عظيم، ويلقب الإمبراطور هناك بالنجاشي وهو لقب كلقب بطليموس عند دولة البطالسة، وقيصر عند الروس، وشاه عند العجم، وباي تونس عند التونسيين، وخديوي عند ولاة مصر سابقا. وللحبشة لقب ثان وهو منليك إلا أنه يقصر على الملوك من سلالة نبي الله سليمان - عليه السلام - لأنه تزوج بلقيس ملكة سبأ، ولما رزق منها بولد قال لها: «مني إليك» فمزجت الجملتان فصارت «منليك»، وجاء في رحلة الدكتور محمد نيازي الذي كان طبيبا لأحد الآلايات المصرية في سنة 1282ه بالسودان أنه قال: سمعت أحد الأطباء الإفرنج يقول إنه قرأ في بعض المؤلفات القديمة أن ذلك المولود الذي هو منليك الأول بن سليمان كانت بلقيس تخاف عليه من قومها، فبعثته إلى مدينة سوبا ليربى بها، وسميت المدينة سبأ ثم حرف الاسم إلى سوبا لتقادم الزمان، وقد تبوأ عرش الحبشة كثير من الملوك، فلا حاجة إلى بيان أسمائهم وزمن كل ولاية منهم؛ تجنبا للتطويل.
أما القضاء فسائر على طريقة كافلة للحقوق المدنية والاجتماعية نوعا ما، وما كان للحبشة نواميس شرعية ولا قوانين وضعية فيما يختص بالمعاملات القضائية، بل كان القضاء يسير مع العرف إلى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، وهناك أقام أحد رجال الدين المسيحي «أسعد عسال القبطي» ووضع للحبشة قانونا نسقه تنسيقا بديعا، قسمه قسمين: الأول منهما يختص بالكنيسة، والثاني في المعاملات، وكان مرجعه فيه كتاب التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي في فقه السادة الشافعية، وقد أطلق على هذا القانون اسم «فتانفوس»، وقد صدق جلالة الإمبراطور على المعاملة به في جميع أنحاء الأقاليم الحبشية. أما المسئولون عن تنفيذه في القرى فهم أكبر سكانها سنا وأكثرهم حنكة، وفي العواصم الرءوس، ماعدا «أديس أبابا» التي يباشر القضاء فيها جلالة الإمبراطور بنفسه وهو يجلس في ساحة مكشوفة، ثم ترفع على رأسه مظلة كبرى «شمسية» كملوك الفور وواداي، ويجلس على يمين الإمبراطور 12 رجلا، وعن شماله 12 رجلا من أعيان المملكة الذين يشترط أن يكون فيهم رئيس الكهنة بردائه الكهنوتي، ويحمل القانون المسمى «فتانفوس» كاهن آخر، ثم يأتي بالمتقاضين فيقفون صفا أمام الإمبراطور على بعد 30 مترا منه، ثم يؤذن لهم في عرض ظلامتهم على هيئة القضاء، فينادي المظلوم بأعلى صوته قائلا: «جاتهوه جاتهوه»؛ أي يا حضرة الإمبراطور، يكررها سبع مرات، وذلك بين دائرة من جنود الحرس المدججين بالسلاح، والناس في سكون شامل لهيبته.