وكلمة إثيوبيا التي يعتز بها الأحباش هو الاسم الرسمي الذي تستعمله الحكومة في مكاتباتها الرسمية، وهذه التسمية ترجع في رأي علماء الأحباش إلى مجيء إثيوبس حفيد حام وتأسيسه لبلادهم، وقد عرفت البلاد التي أسسها باسمه فصارت إثيوبيا، وهذه كانت تتسع أحيانا فتشمل أجزاء كبيرة من أفريقيا وآسيا حتى الهند، وتنكمش أحيانا أخرى فتقتصر على الأجزاء الأفريقية المعروفة. وتروي الأساطير أن حاكما مسيحيا يسمى «يوحنا» كان يحكم هذه الإمبراطورية الشاسعة التي كانت تضم جزءا كبيرا من الهند وبلاد العرب وشرقي أفريقيا، وكانت تعرف إذ ذاك باسم إثيوبيا، ثم قام أحد الملوك الأحباش واستقل بالملك وأطلق اسم إثيوبيا على بلاده.
هذا موجز تاريخي للاسمين، أما الأحباش فيرون في كلمة «حبشة» إهانة لهم ولبلادهم، ولا يجري هذا الاسم على لسان حبشي واحد؛ لأنه يذكرهم بعهد الذل الذي قاسوه من إغارة القبائل الأجنبية على بلادهم، فضلا عن دلالته على عدم صفاء جنسهم وشعوبهم. •••
على أن القراء يلحظون أننا آثرنا إطلاق لفظ «الحبشة» على البلاد الإثيوبية في تعليقاتنا وتأريخنا للحوادث؛ وذلك لأن «الحبشة» هو الاسم العربي وكتابنا بالعربية، ولأن الاسم يرجع إلى أساس معقول، فالحبشان خليط من الأقوام، ولا تزال الحبشة ذات رءوس وممالك، ولأن الكتب العربية والصحف المصرية والعربية تستعمل كلمة «الحبشة» في كتاباتها، فوجبت مراعاة هذا الاستعمال المشهور والذي في الوقت ذاته ليس خطأ أو بدعا.
وليس لإخواننا الحبشان أن يبرموا بهذا الاستعمال، ومهما يكن معنى لفظ «الحبشة» منبئا عن حطة أو مهانة في نظرهم، فإن التلفظ به ولا سيما على لسان المصريين والعرب لا ينبئ إلا عن أنه علم على تلك البلاد المعينة المعروفة. والمعاني المستهجنة لبعض الألفاظ تفقد وجودها بالعرف والاصطلاح والاستحالة إلى مسميات محترمة.
ويشبه برم الحبشان باسم «الحبشة» مقت سكان بلاد «العجم» لاسم «العجم» ومطالبتهم بتسميتها «بإيران».
ولمجمع اللغة العربية الملكي أن يبت في اسم الحبشة، ويبدله إلى إثيوبيا أو نحوها. (4) الحبشة بين القرن الرابع والقرن التاسع عشر
يقول السنيور «لامبرتي سورنتينو» أن كلمة «الحبشة» مأخوذة من فعل عربي اسمه «حبش»، وأن «الحبشة» تكون إذن «مجموعا من الأقوام!»
3
وفي القرن الرابع دخلت الحبشة في حظيرة المسيحية، وفي سنة 525م ظهر مشروع غزو اليمن. ولكن انتشار الإسلام وقوته بعدئذ حملت الحبشان على الانسحاب من السواحل العربية، والاكتفاء بتوسيع الحبشة داخل القارة الأفريقية.
وتاريخ الحبشة في القرون الوسطى غامض جدا، وجملة ما يقال فيه أنه كانت هناك ثلاث أسر تتنازع ملك الحبشة، وقامت حرب بين المسيحيين والمسلمين، وضعف المسيحيون حتى أنجدهم البرتغاليون الذين تغلغلوا في الحبشة من البحر الأحمر، وقتلوا زعيم المسلمين سنة 1543، وبعد انتصار المسيحيين عادت الحبشة إلى الفوضى مرة أخرى. وكان دخول البرتغاليين سببا في نشر المذهب الكاثوليكي، وانقسم مسيحيو الحبشة قسمين: قسم يؤازر المذهب الكاثوليكي، وقسم يقاومه. ونجح القسم الأخير؛ حيث اضطر النجاشي «سوسنيوس» الذي قبل الديانة الرومانية، إلى النزول عن الملك سنة 1632 بعد حكم سبع سنوات، وخلفه النجاشي «فاسيليوس» الذي حكم من سنة 1632 إلى 1637، وأسس مدينة «جندار» في الشمال الشرقي من الحبشة وفي شمال بحيرة تانا، وما لبثت البلاد أن عادت إلى الفوضى وعاد الرءوس إلى طغيانهم ومنافساتهم، وكان النجاشي ضعيفا طوع بنانهم، يعينونه ويقيلونه من آن إلى آخر، وأصحبت شوا وجالا ولاستا وجوجيام وسمين وتيجري دويلات مستقلة متنازعة، حتى ظهر عقب النصف الأول من القرن التاسع عشر الرأس كاسا، وتغلب على الرءوس وأصبح ملكا للملوك. (5) الملك تيودور والحرب مع الحبشة