بعد أن ضم الخديو إسماعيل محافظتي سواكن ومصوع إلى مصر، قرر أن يصل بين مصوع وكسلا بخط حديدي، حيث مر هذا الخط بسنهيت «كرن» بكسر الكاف؛ ليسهل المواصلات بين السودان والبحر الأحمر، وكان يعد البلاد الواقعة بين البلدين ومعها «سنهيت» أرضا مصرية منذ فتحها محمد علي الكبير، ولكن النجاشي تيودوروس ملك ملوك الحبشة عارض الخديو وادعى أن «سنهيت» أرض حبشية، ومن ثم قام الخلاف بينهما. (6) بين إنجلترا والحبشة
منذ فتحت إنجلترا عينها على القارة الأفريقية، طمحت إلى أراضي الحبشة، بسبب كتب الرحالة والمؤرخين الذين تحدثوا عن كنوز الحبشة وخيراتها والمنازعات بين ملوكها وقبائلها. وكان من أثر ذلك زيارة الكونت جورج فالنتيا ومستر هنري صولت للحبشة سنة 1805 وتعرفهما بملك الحبشة «إمبوالا سيوني»، وزيارة صولت للحبشة ومعه كتاب من الملك جورج مصحوبا بهدايا إلى ملك الحبشة وإلى زعماء القبائل، ثم زار مستر كوفن والأسقف جوبات الحبشة سنة 1830 وعاصمتها جندار. وفي سنة 1844 عقد الميجر هاربس مندوبا من حكومة الهند معاهدة مع الرأس سملا سيلاسي ملك شوا، وزار جلالته عقب ذلك بريطانيون آخرون منهم جونستون وروستيه وهركورت، وبل وبلودن، الذي عينه اللورد بلمرستون وزير الخارجية البريطانية - باطلاع الملكة فكتوريا - قنصلا في مصوع ثم في الحبشة، وفي أثناء ذلك تمكن القنصل من عقد معاهدة صداقة سنة 1849 مع الرأس «علي» أقوى ملوك الحبشة، ثم أفل نجم الرأس علي ونزل للإنجليز عن حق حماية رهبان الحبشة في القدس. ثم ظهر الرأس كاسا
4
قويا جامعا للقبائل، ثائرا على صهره الملك علي، فوقعت بينهما حرب هزم فيها جيش الملك علي وقتل الملك نفسه.
ثم أعلن الرأس كاسا نفسه ملكا لملوك الحبشة، وتوج في 7 فبراير سنة 1855 باسم «تيودور الثاني».
ويقول السنيور «لامبرتي سورينتينو» إن الرأس كاسا قد نشأ نشأة عسكرية وإنه كان رجلا مهيبا، وكان برنامجه توحيد البلاد الحبشية وجلعها وحدة سياسية ومملكة قوية، وقد نجح في إخضاع الرءوس الإقليميين؛ ولذا يمكن عد «تيودور» أول مؤسس للحبشة الحديثة، وعقد الصلات السياسية والتجارية مع البلاد الأوروبية ولا سيما مع فرنسا وإنجلترا.
ولكن «تيودور» عاد فأوجس خيفة من تغلغل النفوذ الإنجليزي، ولعله كان واقعا تحت تأثير النفوذ الفرنسي يومئذ، فألقى القبض على مستر كامرون قنصل إنجلترا وعلى الموظفين والمبشرين والتجار الإنجليز؛ فأثار هذا الفعل ثائرة الإنجليز ووسطوا الخديو إسماعيل لإطلاق سراح الأسرى، ولكن تيودور أصر على بقائهم في الأسر، فلم تر إنجلترا بدا من إرسال بعثة عسكرية بقيادة سير روبرت نابيير. وتحالف الخديو مع الإنجليز ضد الحبشة، وأمر الخديو عبد القادر الطوبجي باشا - محافظ مصوع - بمساعدة الجيش الإنجليزي برا، وبأن يكون الأسطول المصري تحت أمره. وقد تغلغل الجيش الإنجليزي وحلفاؤه داخل بلاد الحبشة، واحتل «مجدلا» التي تقع شمالي أديس أبابا، وانتحر «تيودور» وانسحب الإنجليز، وآل ملك الحبشة إلى الملك يوحنا.
هذا وقد كان عدد الحملة الإنجليزية بقيادة السير روبرت نابيير أربعة آلاف إنجليزي، وتسعة آلاف وخمسمائة هندي من بومباي إلى زولا قرب مصوع، وأخذ معه عشرة آلاف حيوان بينها بغال وأفيال لجر المدافع الخفيفة والثقيلة. وكان الإمبراطور مخيما في مجدلا على بعد أربعمائة ميل عن زولا التي بلغها الإنجليز في شهر نوفمبر سنة 1867، وكان الطقس يتراوح بين حر لاذع وبرد قارص، قال عنه ستانلي الرحالة أن ست بطانيات صوف لم تكف ليلا لدفئه.
وكان تيودور مكروها من القبائل في بلاده؛ فلم يتعرض أحد منها لمواصلات الجيش الإنجليزي الطويلة، ولولا ذلك لما أمكنها الإقدام بتلك السهولة، ولاسيما أن الجنرال نابيير