تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما أبلغ ذلك إلى الملك قمبيز استشاط غضبا وسار في جند عظيم يريد الحبشة طائشا متهورا مسلوب الحواس، فلم يعتن بتنظيم جيوشه ولا إعداد ذخائره، فظل في الصحراء بعساكره - أي في عتمور أبي أحمد - وما كاد يقطع ربع الطريق حتى بلغ الجهد منه مبلغا عظيما، حيث انتهى إلى سهول رملية قاحلة لا ماء بها ولا كلأ، فأخذوا يأكلون دواب الحملة، ولما انتهت صار يأكل بعضهم بعضا بالاقتراع؛ أي: كل عشرة رجال يقترعون واحدا منهم، ومتى وقعت القرعة على رجل منهم أجهزوا عليه وأكلوه في الحال، ولما اشتد بهم الضنك خاف الملك قمبيز على نفسه، فقفل راجعا بمن بقي من عسكره حتى وصل إلى طيبة، وأراد تعويض ما خسره فاستعمل أقصى حدود القسوة مع أهل مصر، وسلب أمتعة الهياكل وزينتها وذخائرها من ذهب وفضة، ولما وصل إلى منف التي كانت أعظم مدن العالم، وكان هناك موسم مشهور لإقامة عجل جديد يسمى «أبيس» على التخت المعد لإقامته، وكان يوم احتفال كبير ومهرجان فخم به جمع عظيم من الناس فرحين مستبشرين بذلك الموسم، فظن قمبيز أنهم مسرورون بهزيمته، فقتل الكهان والأمراء وأرباب المعابد، وبعثرت الآثار، فذاع ذلك وشاع وملأ الأسماع، فوقعت الرهبة في قلوب الإثيوبيين، وتقهقر تانوت آمون بما بقي من جيوشه إلى مروي. وكان ذلك آخر عهد الإثيوبيين بمصر، وقد أخذت مدينة طيبة في الاضمحلال حتى صارت تلالا خربة تحوي أعظم آثار العالم صلابة ومتانة. وإلى هنا يعلم القارئ اللبيب أن دولة إثيوبيا عظم شأنها وتضخم سلطانها حتى ضمت إليها مملكة الفراعنة، وحاولت بسط نفوذها على دول آسيا، وكان ذلك الفشل الأخير مثبطا لهمم الإثيوبيين، فلم يفكروا بعده في إعادة نفوذهم بمصر، بل كانوا يعانون عبأ ثقيلا وهو رق الكهنة وغطرستهم التي تدل بوضوح تام على سخافة العقول وفساد العقائد الدينية. ولقد كان كهنة آمون يأمرون ملك إثيوبيا بالاستقالة فينزل عن عرشه بلا مسوغ، وفي بعض الأحيان يأمرونه بالانتحار فلا يسعه إلا أن يقتل نفسه بنفسه رجاء المغفرة من وثنه؛ فلله در ابن مطروح حيث قال:

يا له من عمل صالح

يرفعه الله إلى أسفل

وبفضل تلك العقائد وببركة أولئك الكهنة وهنت قوى الإثيوبيين وتضاءل نفوذهم وسقطت هيبتهم

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

فإن تلك الدولة الموطدة الدعائم التي كانت تهيمن على أقطار واسعة وأراض خصبة وديار رحبة؛ صارت هدفا لغارات المغيرين وعبث الطامعين، حتى اضطرت إلى إخلاء نبتة والتوغل في مجاهل أفريقيا إلى هضابها إلى الآن. (3) حول تسمية إثيوبيا بالحبشة

يقول المؤرخ الإيطالي «لامبرتي سورينتينو» بأن اللفظ الإفرنجي الذي بالإنجليزية

Abyssinia

وبالإيطالية

Abissinia

مشتق من اللفظ العربي «الحبشة» التي فعلها «حبش».

وقد رجعنا إلى القواميس اللغوية، ونجترئ بالخلاصة التي ذكرها «مجد الدين الفيروزآبادي» صاحب «القاموس المحيط» ص266 جزء 2 حيث قال:

الحبش والحبشة محركتين، والأحبش بضم الباء: جنس من السودان، جمعه: حبشان وأحابيش. والحبشة: بلاد الحبشان. والحبشان بالضم: ضرب من الجراد، وكثمامة الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة كالأحبوشة.

ولا يخرج ما ورد في القواميس الأخرى عن مثل هذه المعاني؛ فليرجع إليها من يشاء.

وقد ذكر مراسل البلاغ بأديس أبابا أنه قد تقابل مع أحد الوطنيين ممن تلقوا علومهم في مصر، فأظهر له دهشته من أن الصحف المصرية تسمي بلاده باسم الحبشة، وهو الاسم الذي يمقته الأحباش ويرون فيه إهانة لهم وتحقيرا، وبهذه المناسبة نذكر لمحة تاريخية عن الاسمين ورأي الحبشان فيهما: أما عن كلمة «حبشة» فهناك فرضان فيها؛ الأول: وهو ما عرف عن أهالي الحبشة الأولين من سكنى المغارات والكهوف، وهذه تسمى بالحبشة «واشا»، وقد عرفت بلادهم بهذا الاسم الذي حرف وصار حبشة. وهذا الفرض في ظني لا يستقر، وإن كان بعض المؤرخين يأخذون به. أما الفرض الثاني: فهو تسمية البلاد باسم القبائل والشعوب التي نزحت من جزيرة العرب إلى بلاد إثيوبيا، وهذه القبائل كانت خليطا من شعوب مختلفة؛ ولذلك سميت حبشات، وقد فتحت البلاد وأذلت أهلها، وكانت على شيء من الثقافة، فعلمت الوطنيين سكنى المنازل وتهذيب الأسلحة الحجرية، وأطلقت اسم الحبشة على بلادهم، ومعناها - كما ذكرت - خليط.

المسألة الحبشية · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الحبشيةص ٢٦