تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون .

هذا ولنرجع إلى ما نحن بصدده، فنقول: قد اشتهر الإثيوبيون في هضابهم باسم الحبشة وما بقي منهم على شطوط النيل عرف باسم النوبة. والنب في لغتهم هو الذهب؛ أي: سكان بلاد الذهب. قال هيردوت: «وكان في إثيوبيا عين ماء تنعش أهلها،

1

ومروج مخضرة يانعة، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وكان الذهب في بلادهم كثيرا جدا، حتى إنهم كانوا يستعملونه في الأشياء الدنيئة كالسلاسل التي يسحبون بها الأسرى.» ويقال إن اثنين من ملوك إثيوبيا المعاصرين لقمبيز ملك مصر هما نستاسن وحروساتف أخضعا أكثر بلاد الزنج، وقهرا كل قائم في سبيل النفوذ الإثيوبي جنوبا. (2) اكتشافات حبشية

كانت الآثار الإثيوبية

2

منذ عصورها الأولى في دثار الإهمال لم تمتد إليها يد المكتشفين سوى تلك النقوش والخطوط الهيلوغرافية القائمة على الجبال والصخور، لا يعرف السودانيون منها شيئا عدا نسبتها إلى الأعمال الكفرية القديمة غير آبهين لها إلى سنة 1236ه الموافق 1820م؛ حيث امتد نفوذ محمد علي باشا إلى ربوع السودان. ولقد أميط الأذى عن سبيل العلماء الأثريين الذين أخذوا يجوبون الصحاري والقفار منقبين عن تلك الآثار العظيمة في نبتة، وصنم، وجبلة البركل ... وغيرها بدنقلا، والبجراوية، وسوبا، وعلوي ... وغير ذلك من البلاد الواقعة على ضفاف النيل. وإليك نبذا صغيرة عن خلاصة تلك الاكتشافات؛ قال المرحوم كمال باشا: «كانت بلاد إثيوبيا مملكة شورى، فإذا أرادوا انتخاب ملك كانوا يعقدون في معبد آمون بمدينة نبتة مجلسا يجتمع فيه الكهان والنواب الذين ينتخبهم القضاة وبعض العلماء والعساكر والضباط، فإذا اجتمع المجلس دخل الإخوة الذين هم من العائلة الملكية إلى معبد آمون ووقفوا أمام هذا المعبود المشير بأصبعه إشارة اتفاق إلى الإنسان الذي تريد الكهنة انتخابه من العائلة الملكية لتوليته الملك، ومتى تم الانتخاب واستقر الرأي على واحد جعلوه ملكا عليهم وظل طول حياته تحت سلطة الكهنة، فليس له أن يشهر حربا أو يجري شيئا مهما في الحكومة إلا إذا استأذن المعبود آمون وكهانه، فإن عصا أو أراد الاستبداد قرر الكهنة قتله، فلم يكن بد من تنفيذ هذا الحكم فيه. وكما كان هذا القانون مشددا على الملك أيضا كان مشددا على الرعية، فإذا خالف أحد الرعية رأي الكهنة أو غير أقل شيء في الشعائر الدينية عدوا عمله بدعة سيئة وحكموا عليه بالقتل.

وقد اتفق في آخر القرن السابع أن بعض الكهنة أتى بدعة سيئة في شعائر الدين المصري القديم، منها إباحة أكل لحم القربان نيئا - وهي عادة بني الأسود - فتوجه الملك الحاكم إلى معبد آمون بنبتة وحكم بطرد من ابتدع شيئا في الديانة، وحرق ما وجده من آثار تلك البدع السيئة؛ فعلى هذا أخرج أصحاب هذا المذهب الجديد من بلادهم إلى جهات بعيدة واتخذوا لهم فيها مساكن وتمكنوا من هذا تمكنا قويا.» إلى أن قال: «لذلك استمروا ناهجين هذا النهج حتى ظهر سيدنا عيسى - عليه السلام - وبقيت هذه العادة إلى الآن متأصلة في بعض الحبشان، فهم يأكلون اللحم النيئ، ويسمونه «رنيدة».»

وبعد انفصال الإثيوبيين عن مصر ظهرت فيهم الثروة والغنى، وأصبح ملوك مصر يبعثون إليهم الجواسيس من بلاد الكنوز ممن يحسنون لغة إثيوبيا، فصار هؤلاء يرودون البلاد ويستكشفون أحوالها حاملين الهدايا لملوك إثيوبيا، وكانت مصنوعات من التبر، والحلل الحمراء الأرجوانية، والروائح العطرية، وأنبذة التمر التي كان يعجب بها ملك إثيوبيا. وأراد مكافأة ملك مصر على ما أسداه إليه من عظيم الهبات؛ فبعث إليه بقوس أوترها أمام سفرائه، وقال لهم ما معناه: إن ملك إثيوبيا ينصح ملك العجم أن لا يحضر إلا بنفسه لحربنا على كثرة جندنا ولا يكون حضوره إلا إذا قدر هو أو أحد رعيته أن يوتر قوسا عظيمة مثل هذه القوس وحده كما أوترها وحدي في الحال، فإن لم يمكنه فليحمد الإله المعبود حيث لم يرزق إثيوبيا الطمع في المسير إلى بلادهم العجم.

المسألة الحبشية · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الحبشيةص ٢٥