تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما كادت جيوش الآشوريين تصل إلى شرق الدلتا حتى خرجت للقائها الجيوش المصرية بقيادة جلالة الملك طهراقة، وهناك اصطدم الفريقان، وجرت بينهما ملحمة دموية اشتد فيها الطعن والضرب. وقد أظهر المصريون إذ ذاك أقصى ما يستطاع من ضروب البطولة والاستخفاف بعزمات العدو، حتى تمكنوا بذلك من كبح جماح الآشوريين، وفطم مطامعهم في استعمار القطر المصري، إلا أن تلك الهزيمة لم تفت في ساعد العدو الذي ما لبث أن كر راجعا في سنة 670 قبل الميلاد، وباغت مصر بحرب مزق بها الجيوش المصرية شر ممزق، ودخل البلاد قسرا بحد السيف، ولما أطلت جيوش الآشوريين على مدينة منف أخلاها الملك طهراقة فارا إلى الوجه القبلي. ولما رجع الملك آشور أخي الدين نقش على صخور نهر الكلب بجوار رمسيس الثاني كل ما عمله بمصر وفلسطين، وبين للملأ انتصاراته الباهرة في كرته الجريئة على مصر، وصور نفسه في شكل رجل عظيم يقود أسيرين تدل صفاتهما على أنهما ملك الشام وطهراقة ملك إثيوبيا.

هذا وجاء في تاريخ السودان لمؤلفه حسن باشا ما نصه: «وهكذا حكمت مملكة آشور مصر بعد أن حكمها الليبيون فالسودانيون، ولا يخفى أن هذين الأخيرين كانا شديدي الشبه بالمصريين، يحافظون على ديانتهم وعاداتهم وأخلاقهم، ويتطبعون بطباعهم ويتقلدون بملوكهم.» وقال علماء الآثار أنه لم يثبت لديهم للآن أن الآشوريين تقلبوا على مدينة طيبة، وإنما من المعلوم أن الملك طهراقة التزم خطة الدفاع في شمال بلاد النوبة. أما ملك آشور فإنه عاث فسادا في بلاد الوجه البحري وشدد النكير على سكانها، حتى اضطرهم إلى الاستنجاد بالملك طهراقة، فأخذوا يراسلونه سرا لإنقاذهم من الكابوس الآشوري المخيم على ربوع البلاد، ولكن سرعان ما بلغ ذلك آشور أخي الدين الذي قبض على دعاة الفتنة وأودعهم أعماق السجون. أما الوجه القبلي فلم يزل خاضعا لطهراقة الذي ولى ابنه «تانوت آمون» حاكما عليه في سنة 663 قبل الميلاد، وجعل مقامه في طيبة وبقي هو في نبتة «أي مروي»، وكان «تانوت آمون» كبير الهمة طامحا إلى استرجاع ما فقده أبوه من أملاكه بمصر، فتأهب لذلك وسار في جند كثيف إلى الشمال، وحارب أمراء الوجه البحري وأخضعهم لحكمه، ولكنه ما كاد يعيد السيف إلى غمده حتى كرت عليه جيوش الآشوريين في سنة 661 قبل الميلاد، وفتكت بالجنود المصرية الإثيوبية وخربت مدينة طيبة وسلبتها مجدها، وهدمت الحصون والقلاع.

ولما اشتدت وطأة الآشوريين بمصر طمحت نفوسهم إلى ما وراءها، وضعفت لدى الإثيوبيين إلى درجة العجز عن وقاية الحقوق وحماية الأرواح وصون الأعراض؛ أجالوا الفكرة وأمعنوا الروية في بقاع القارة الأفريقية، فلم يجدوا أرحب صدرا ولا أخصب أرضا ولا آمن جانبا من قطرهم الحالي، كثير الجبال والكهوف والغابات؛ فقرروا الانتقال إليه شيئا فشيئا، أما العاصمة فنقلت إلى مدينة البجراوية في سنة 560 قبل الميلاد، فبعدت الأمة قليلا عن منطقة الخطر المحدق بها والذي كان يتهددها من غارات الآشوريين الذين عاقت سفنهم الشلالات، وبذلك فطمت مطامعهم وكفوا أذاهم عن الإثيوبيين الذين كان فصلهم عن مصر واختلاطهم بقبائل الزنج سببا في تلاشي ثقافتهم المصرية التي رفعت مستواهم العلمي إلى ما كانت عليه فراعنة مصر كما تدل آثارهم الآن، واشتغل الإثيوبيون بحروب متواصلة مع قبائل الزنج لإخضاعهم وتسخيرهم لخدمتهم، وهذه وسيلة من وسائل الاسترقاق.

وعندما ساد الرومانيون في مصر ومدوا رواق نفوذهم إلى مروي السفلى وجزيرة الخرطوم انتقل الإثيوبيون مرة واحدة إلى هضابهم الشامخة وساحاتهم الفسيحة، وكان ذلك في خلال القرن الرابع بعد الميلاد، فوجدوا هناك حصنا طبيعيا نسقته يد القدرة الإلهية بحالة كانت جنة لحياتهم السياسية وصيانة هيئتهم الاجتماعية منذ تلك القرون المتطاولة والعصور المتوغلة. وهنا فلنترك الماضي هنيهة ولنتساءل فنقول: ماذا يكون عندما تحدث الغارة الجوية التي تتألف من ألف طائرة إيطالية مسلحة فوق سماء الحبشة حتى تحجب ضوء الشمس لكثافتها وتصم الآذان بدوي المراجل وحفيف القوادم وقصف القنابل، وحتى تعقد بذلك إكليلا من الغازات ومواد المهلكات على قنن تلك الجبال. وهل هذا وحده كاف لإرهاب الحبشة وإرخاء أعصاب أولئك الأسد التي تزمجر في زوايا الكهوف، فتترك العرين مذعورة من هول ما أصابها حتى تسير الفيالق الإيطالية لاحتلال أديس أبابا تترنح أعطافها على نغمات الموسيقى أظن الجواب سلبيا أكثر منه إيجابيا وإن قال قائل لماذا فنقول له أن الحبشة أمة جافة الطبع قضت جل حياتها بين صلصلة السيوف وموارد الحتوف وأنها حريصة على استقلالها إلى درجة الجشع. وقد ترى بطن الأرض خيرا من طهرها عندما تفكر في سيطرة الأجنبي، وربما تلجأ إلى كهوفها وعندما يظن العدو أنه مهد بغارته الجوية طريقا مأمونا إلى الاحتلال سارت مشاته فتجد في كل عرين كمينا وفي كل خطوة داء دفينا، فيقبض هؤلاء الجفاة بحلاقيم ذلك الجند الجديد المتوغل في بلاد لا يلائمه هواؤها ولا يصلح له غذاؤها، فتكون المصارعة عنيفة والمجزرة رهيبة مخيفة، وربك أعلم بالعاقبة؛ فسبحان القائل:

المسألة الحبشية · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الحبشيةص ٢٤