تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أغرب ما رواه التاريخ أن كبشا نطق في السنة السادسة من حكم الإمبراطور الروماني أوغسطوس، فقال: «إن مصر ستبقى تعسة تعبة تسعمائة سنة.» وكان القطر المصري إذ ذاك مهددا بغزو الآشوريين، وكان الولاة لا يقدرون المسئولية حق قدرها، فصدق الله نبوءة الكبش، فتضاءلت حالة البلاد المركزية، وتعارضت الأهواء السياسية، واضمحلت موارد الثروة، وأجدبت الأرض، وأخذت الترع والقصور في التلف. وجاء في التوراة ما معناه:

إن ملوك تانيس صاروا لا عقول لهم، وملوك منف ضلوا وأضلوا قومهم؛ فقضينا أن نعطي مصر لرجل جبار يتولى أمرها ويدير شأنها. ففسر الأحبار الملك الجبار بالملك «شاباكا» الإثيوبي.

وقال المؤرخ السيد محمد عبد الرحيم: لم يهمل الإثيوبيون التدبير لاسترجاع ما فقدوه من ولايات مصر التي نادت باستقلالها بعد أن تركت في يد الملك تفنخت، بل حشدوا الجيوش وأعدوا المعدات ووطدوا العزم على غزو مصر مرة ثانية لتدارك ما فات وللاحتفاظ بما هو آت.

وفي سنة 711 قبل الميلاد بدأت قوات إثيوبيا في زحفها شمالا تحت قيادة الملك شاباكا أخي بيعنخي وزوج ابنته، وقد أمكن جيوش الإثيوبيين إخضاع مصر بغير عناء ووقع الملك بوكوريس في أسر «شاباكا» الإثيوبي، فدفنه حيا - حنقا وتشفيا - وتبوأ شاباكا عرش مصر، وهو الذي أسس العائلة الخامسة والعشرين. وكانت مصر إذ ذاك مهددة بغارات الآشوريين كما أسلفنا، وكان الملك الإثيوبي ماكرا كثير الدهاء، فأشعل نار الفوضى في فلسطين وسوريا، ووعد الآشوريين بالمساعدة إن تقدموا لاحتلالهم؛ فاغتر الآشوريين بتلك الوعود العرقوبية وتقدم ملك الآشوريين في جند كثيف وهاجم فلسطين. وبعد معارك دموية أسر «هوشع» ملك اليهود وحاصر سمرية إلا أنه مات بها فنادى الآشوريون بالقائد العام «سرجوز» ملكا عليهم وهو الذي أخضع سمرية وواصل الآشوريون زحفهم إلى أن اشتبكوا مع جيوش مصر في حرب هائلة هزم فيها المصريون وفر الملك شاباكا الإثيوبي ضاربا في الصحاري والقفار ضالا عن الطريق حتى اهتدى إليها بدلالة راع من فلسطين، ولما رأى المصريون فشل الملك شاباكا وفلول جنده إلى إخلاء الوجه البحري وعاد أدراجه إلى طيبة ومات بها الملك شاباكا غما؛ لما مني به من الهزيمة وتبديد جنده وقد خلفه ابنه «شاباتاكا» وكان الأمير كأبيه حزما وعزما وإقداما؛ فإنه ما كاد يقبض على زمام الأمور حتى انصرف انصرافا كليا إلى تجييش الجيوش وإعداد المعدات الحربية، وكان المصريون - لحسن حظه - في شغل شاغل لتفرق كلمتهم وتعارض أهوائهم، وبينما هم يتنازعون على الرياسة إذ أحدقت بهم كتائب الإثيوبيين، فاجتاحت البلاد وبسطت نفوذها إلى أقصى حدود القطر المصري، وقبل أن يجني «شاباتاكا» ثمار نصره المبين وثب عليه طهراقة بن بيعنخي، فقتله في سنة 688 قبل الميلاد، وتولى الملك مكانه، ودعا أمه من مروي إلى مدينة «تانيس» عاصمة الإثيوبين بمصر في تلك العصور؛ لكي تتمتع بحقها في الملك باعتبارها والدة جلالته، ولقد مهدت البلاد لطهراقة ودانت له الأمة المصرية بالطاعة عشر سنين لم يحدث في غضونها ما يعكر صفوه ولا نكست أعلامه لخطب جلل، بل خطا بمصر خطوات متناسبة؛ حيث شيد بها قصورا شامخة ذات شرفات بديعة، وزينها بالأثاث وبالرياش في تانيس ومنف وطيبة، ولم يشغله ذلك عن الاستعداد لدفع ما تتمخض به الأيام من الطوارئ الأجنبية التي تحدق بالبلاد من آن لآخر، خصوصا من البلاد الآسيوية، بل أعد لها ما استطاع من قوة. وفي سنة 681 قبل الميلاد تولى على مملكة الآشوريين ملك يدعى «آشور أخي الدين» وكان هذا جريئا إلى درجة التهور، فرأى نفوذ مصر في سوريا وفلسطين يتعاظم شأنه، وربما يكون خطرا يهدد كيان مملكة آشور فزحف في جند كثيف لغزو مصر، وبسط نفوذه عليها أو - على أقل تقدير - خض شوكتها، فتنجاب سحب الخطر عن نظره.

المسألة الحبشية · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الحبشيةص ٢٣