وأحضر إليه الهدايا والطرف من الخيل، ثم جاء ملك أهناس بهدايا من ذهب وفضة وأحجار نفيسة وجياد بديعة، ولما تشرف بالمثول أمام ملك إثيوبيا خر ساجدا تواضعا وإجلالا. وهناك أيقن المصريون بشدة بطش ملك إثيوبيا وجبروته وأوجسوا خيفة من شره، ومن ثم دانت له البلاد وطأطأت لسطوته الأجناد؛ فأوغل في بلاد مصر حتى بلغ مدينة منف، وكتب إلى سكانها قائلا: «لا تقفلوا أبوابكم ولا تحاربوا أيها الناس القاطنون في المدينة؛ لأني سأدخل وأخرج من غير إساءة إليكم.» إلا أن سكان المدينة لم يأمنوا على حياتهم منه وصمموا على حربه ورده خائبا، وهيهات! وكانت المدينة إذ ذاك محاطة بسياج من مياه الفيضان، أما جلالة الملك بيعنخي فإنه عقد مجلسا حربيا من قواد جنده، وقر رأيهم على دخول «منف» عنوة. وهناك صف الأسطول الإثيوبي حول المدينة ووجهت سهامه عليها، وبدأ بهجوم عنيف، وفتك عسكر الإثيوبيين بالمصريين فتكا ذريعا ودحضوا من شوكتهم بسرعة مدهشة، ودخل جلالة الملك بيعنخي معبد «بتاح» وقدم له القربان من بقر وعجول وأوز وغير ذلك من أنواع القرب، ثم دخل قصر المنف. وكانت هذه المعركة من أهم البواعث في إخضاع القطر المصري لملك إثيوبيا الذي أتته أمراء الوجه البحري يحملون الجزية والهدايا خاضعين لسلطانه، وقد سار جلالته إلى عين شمس لأداء الصلاة شكرا لما أفاء الله به عليه من فتح عظيم وخير عميم، فوفد إليه بها أربعة عشر أميرا من أمراء مصر، وبعث إليه الملك تفنخت رئيس المصريين يقول له: «اكتم غيظك؛ فإني وجل من رؤيتك لعدم مقاومتي نار حربك وامتلأ قلبي بفزعك؛ فأسألك العفو عني، وأعلم أنك بذرت بذورا حصدت محصولها في إبان حصادها.» ثم أردف ذلك بهدايا قيمة من الذهب والفضة، وأقسم يمينا مقدسة بأن لا يخالف له أمرا ولا يعكر لسياسته صفوا ولا يسيء لأحد من عماله؛ فرفض ملك إثيوبيا وعفا عنه بعد القدرة عليه، وما كاد يمر ملك إثيوبيا في بلاد حتى هتف له المصريون قائلين: «أيها الملك المنصور، لقد أتيت وحكمت الوجه البحري وحل الفرح في قلب أمك التي ولدتك فصرت شهما، وأعطاك آمون جوهرة؛ فبشرى لك أيتها البقرة التي ولدت ثورا كان على ممر الدهور ذكرا مخلدا وملكا مؤيدا، ألا وهو الملك المحب لطيبة.» وقد كان ذلك النفوذ الإثيوبي في مصر واختلاط الإثيوبيين بالمصريين اختلاط الحاكم بالمحكوم عادة سببا أكسب الشعب الإثيوبي صبغة مصرية بحتة، حتى أشكل على بعض الأثريين، فقال اليونانيون منهم: «إن السودان أصل رقي مصر ومنشأ مدنيتها.» وذلك لما رأوه من تربية بيعنخي وأنظمته وما شيده من المعابد والآثار المحلاة بالنقوش والكتابة الهيرغرافية بالقطر المصري. وما لبث ذلك المظفر زمنا طويلا بمصر حتى حن لوطنه ومسقط رأسه بمدينة نبتة «أي مروي»؛ فعاد إليها بعد أن سلم مقاليد الأمور إلى تفنخت المصري الذي حلف له يمين الطاعة كما أسلفنا.
وما كادت جيوش إثيوبيا تصل إلى نبتة حتى ثار المصريون وشقوا عصا الطاعة؛ فانعسكت الآية وكانت النهاية بداية، فهذا أمر طبيعي وحكم بديهي متى حانت للمغلوب الفرصة لاغتنام الحرية ونزع قيود العبودية. أما تفنخت فقد ردت بضاعته إليه، وانتحل لنفسه الألقاب الفرعونية، وجيش الجيوش الجرارة، وأعد السفن الحربية، وظل ثماني سنين في حرب عوان مع بعض أمراء مصر الخارجين عليه حتى أخضعهم لطاعته، ومهدت له البلاد ودام نافذ الكلمة فيها إلى أن أدركته الوفاة، وخلفه ابنه «بوكوريس» مؤسس العائلة الرابعة والعشرين. وبقي صعيد مصر في يد مملكة إثيوبيا، وكانت الحدود الفاصلة بين مصر وإثيوبيا مدينة «أهناس» الداخلة في نطاق النفوذ الإثيوبي، ووالي هذه المدينة هو قائد الأسطول الإثيوبي. وقد شيد بيعنخي معبدا للمعبود «موت» وآثارا بسيطة، ولكنه كان ذا دهاء وذكاء، فأراد أن يحتفظ لعائلته بسلطة «آمون» ووراثة عرش مصر؛ فوهب زوجته المسماة «أمادريس» إلى شعب «نوبت» الأميرة الكاهنة بنت الملك «أوسور كون» الثالث في طيبة، وكان ذلك في سنة 707 قبل الميلاد.