تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| من تاريخ الحبشة

تاريخ الحبشة حافل بالحوادث والعبر والمجد والمآسي، ولكن أكثره غامض، وقليله جلي. وسننشر فيما يلي فذلكات تاريخية عن الحبشة:

كان الدكتور «جونسون» أول من وضع القاموس الإنجليزي، ونقل إلى لغة قومه كتابا بعنوان «رحلة في الحبشة»، وهي التي قام بها الأب «لوبو» رئيس إحدى بعثات الجيزويت فيما بين سنتي 1624-1633، وعندما غزا العرب الحبشة لم يجد إمبراطورها وقتذاك - وهو المسمى «داود» - مندوحة عن أن يطلب المساعدة من «دون كريستوفر دي غاما» نجل الرحالة البرتغالي المعروف، فأمده بأربعمائة من البرتغاليين صمدوا في قتالهم المسلمين أشهرا غير قليلة، وقابل الإمبراطور «سيجويد» هذه المساعدة من البرتغاليين باعترافه بالبابا رئيسا للكنيسة في بلاده غير أن هذا الاعتراف لم يدم طويلا؛ إذ بعد موت الإمبراطور المذكور ألحقت الكنيسة بالحبشية في رعويتها إلى بطريرك الأقباط الأرثوذكس حتى اليوم. (1) الحروب الحبشية القديمة

يقول المؤرخ الفاضل الأستاذ محمد عبد الرحيم:

لقد قضى تنازع البقاء على الإثيوبيين «الحبشيين» بحروب دائمة وفتن ثائرة، فكانت الأمة في عصورها الأولى وقرونها الوسطى بين سابق ولاحق وغالب ومغلوب، تقف تارة موقف المهاجم وتقف طورا موقف المدافع مع قدماء المصريين والآشوريين بآسيا واليمانيين والحميريين وغيرهم، ولم يعد السيف إلى غمده إلا في فترات بسيطة قد لا تكفي للأهبة والاستعداد لدرء ما يأتي به الغد من كارثة كبرى وجائحة عظمى، حتى لا يكاد يرى المرء غير ملاحم دموية وحركات عسكرية ومفاوضات سياسية. وكانت مصر في سنة 720 قبل الميلاد مفككة العرى منقسمة إلى عشرين ولاية صغيرة يهيمن على كل ولاية أمير مستقل، وكان بعضهم لبعضهم عدوا كملوك الطوائف بالأندلس، ولكل أمير من الحصون والقلاع ما يدعو إلى الدهشة. وقد ظهر في الوجه البحري ملك يدعى «تفنخت»، وكان هذا جريئا مقداما طامح النفس، يريد التغلب على تلك الولايات الصغيرة ليمد نفوذه على جميع القطر المصري؛ فعبأ جيوشه وهاجم تلك القلاع والحصون حتى تم له إخضاع قسم صالحجر وقسم أتريب وقسم منف، ولم يستطع أحد من الأمراء أن يوقف تقدمه، ولم يزل كذلك حتى اجتاح بلاد الصعيد ودان له بعض أمرائها بالطاعة وفرض عليهم الضرائب وكانوا خاضعين لمملكة إثيوبيا، ولما بلغ ذلك «بيعنخي» الإثيوبي تميز غيظا وعقد النية على محاربة الملك «تفنخت» المصري الذي سطا على أملاكه بلا مسوغ. وهناك تقدمت جيوش إثيوبيا وحاربت الجيوش المصرية حتى قضت على نفوذها في صعيد مصر، وقد وجدت أخبار تلك الحرب العظيمة مدونة على الآثار بالهيروغليفية، فنقلها من تاريخ السودان القديم الدكتور حسن كمال باشا الأثري الشهير، فقال يبتدئ الأثر بالعبارة الآتية:

في غرة شهر توت سنة إحدى وعشرين من حكم «بيعنخي» قال جلالته: بلغني أن تفنخت تغلب على مدينة منف واستولى على الصعيد، فأطاعه الأمراء وأعيان البلاد ولم يغلق دونه حصن، واعترفوا له بالسيادة في أقسامهم، فأباح لهم الحكم على البلاد كما كانوا؛ فعظموه بما يستحقه ذكاء عقله، فانشرح فؤاده. قال بيعنخي: وكانت تأتيني الرسل كل يوم من الأمراء وقواد الجيوش سائلة عن سبب سكوني وعدم مدافعتي عن بلاد الوجه القبلي وأقسامها ومخبرة لي بما فعل «تفنخت»؛ فأمرت قوادي وضباط عسكري الذين كانوا في مصر أن استعدوا لقتاله وسلب مواشيه وسفنه التي في النيل، وأمددتهم بجنود ونصحت لهم بعدة نصائح قبل توجههم إلى القتال، فقلت لهم: «لا تهاجموا في أثناء الليل هجوم المتلاعبين بل اهجموا متى رأيتم أن العدو أعد جيوشه وخيوله للمسير إليكم، وإذا قامت الحرب فاعلموا أن آمون هو الذي أرسلنا إليهم، فإذا وصلتم مدينة طيبة فاغتسلوا في مياه معابد آمون واسجدوا له وقولوا: ثبت أفئدتنا على الحق لنحارب في ظل سيفك.» ففعلوا ما أوصاهم به، ثم زحفوا منحدرين في النيل، فقابلتهم سفن حربية عليها جند كثيف مسلح، فحدثت بينهما معركة هائلة أظهر فيها الفريقان غاية الحرص، إلا أنه ما لبث أن تطرق الوهن إلى عزائم المصريين؛ فتغلب الإثيوبيون عليهم وغلبوا تلك السفن الحربية المصرية والآلات والمؤن، وهناك تضاعفت همم عسكر الإثيوبيين وزاد نشاطهم؛ فاستأنفوا الزحف شمالا. هذا ورغما عن تضافر أمراء الأقاليم المصرية على مظاهرة الملك «تفنخت» فإن الإثيوبيين تغلبوا عليهم وظفروا بهم، ثم كتبوا إلى ملكهم «بيعنخي» كتابا ذكروا فيه أسماء من قتلوهم من الأعداء، فما كاد ذلك الملك يقرأ كتاب قواد جنده حتى استشاط غضبا وتميز غيظا وتلون كالنمر وأمرهم بأن لا يتركوا جنديا من جيوش مصر إلا قتلوه؛ فأوغل الإثيوبيون في بلاد مصر ولحق بهم الملك «بيعنخي» وتولى القيادة العامة بنفسه، ولما وصل إلى مدينة أرمنت سلمت إليه بعد قتال شديد دام الكر والفر فيه متبادلا بين المصريين والإثيوبيين وبعده خرج حاكم أرمنت ووقف خاضعا أمام ملك إثيوبيا، ثم قال له: «لقد جعلتني سطوتك في هذه الحال!»

المسألة الحبشية · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة الحبشيةص ٢١