0 ولابد من الإشارة الى أن هذا التفاوت بين الناس في القوى الدراكة العلامة التي أشرنا إليها أعلاه ليس مرجعها اختلاف هذه القوى في ذواتها بين الجودة والرداءة وإنما يعود الى اختلاف أحوالها في إدراكها صور المعلومات أما علة اختلاف أفعال هذه القوة فهي من أجل اختلاف أدواتها والآتها في الجود والرداءة ، فجسم الإنسان لما كان كل عضو فيه هو آلة وأداة بقوة من قوى النفس ، وكانت أعضاء الجسد مختلفة الهيئات وهي متفاوتة في الجودة والرداءة في بعض الناس أو في بعض الأحايين ، لذا اختلفت أفعال هذه القوى حسب تلك الاختلافات 0 مثال ذلك الحدقتان فهما عضوان من الجسد كما أنهما أداتان للقوة الباصرة فمتى ما كانتا سليمتين من الآفات العارضة عندها تراءت فيها صور المرئيات المقابلات لهما ، كما تتراءى في المرايا صور الأشياء المقابلة لها ، فعند ذلك تدرك القوة الباصرة محسوساتها، أما إذا تعرضت الحدقتان الى آفة أو عارضٍ ما فعندها لا تدرك الباصرة محسوساتها على حقائقها ، وهكذا فيما يخص قوى النفس الأُخرى فمتى ما لم يعترضها عائق عندها سوف تؤدي كل منها مهمتها على أدقِ وجه وأتم صورة (1) هذا فيما يخص السبب الأول 0
أما السبب الثاني الذي هو من جهة دقة المعاني ولطافتها وجلائها وظهورها فيتمثل بالتفاوت الذي يقع بين الأشياء المادية المحسوسة الظاهرة المُدركة بطريق الحواس ، والأُمور الروحانية الخفية عن إدراك الحواس والتي لا تُعلم إلا بدلائل العقول ونتائج البراهين ، وهذا التفاوت يُعد من أكثر الأسباب المؤدية الى اختلاف العلماء في آرائهم ومذاهبهم كما يرى إخوان الصفاء (2) 0
(1) المصدر نفسه ، ص 406 0
(2) المصدر نفسه ، ص 407 0