تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2. العقل وحدوده على المعرفة :- مثلما أن حواس الإنسان متوسطة في إدراكها محسوساتها فإن قدرة العقل على تصور الأشياء المعقولة هي أيضاً متوسطة ، فهو قادر على تصورها إذا كانت متوسطة بين الجلالة والخفاء وذلك أن من الأشياء المعقولة ما لا يمكن لعقل الإنسان إدراكه وإحاطة العلم به لجلالته وشدة ظهوره وبيانه ووضوحه ، مثل جلالة الباري عزّ وجلّ فإن عقل الإنسان لا يقوى على إدراكه وإحاطة العلم بماهية ذات جلالته ، وشدة ظهوره ووضوح بيانه لا لخفاء ذاته وشدة كتمانه كذلك هناك أشياء لا يستطيع العقل إدراكها ومعرفتها لكبرها وأشياء أخرى لا يستطيع إدراكها لصغرها وشدة خفائها ، وهناك أشياء أُخرى لا يستطيع العقل إدراكها لا لكبرها أو صغرها وإنما لشدة لطافتها ونفوذها في الأشياء 0 أما تفصيل ذلك ، فإن العقل يعجز عن تصور صورة العالم بكليته ، لشدة كبره وظهوره لا لصغره وخفائه وهو عاجز عن إدراك الصور المجردة عن الهيولى لشدة صفاءها ولطافتها ونفوذها في الأشياء 0 أما الأُمور الأُخرى التي لا يمكن للعقل إدراكها فمنها أُمور لا تدرك لخفائها ودقتها وصغرها مثل الجزء الذي لا يتجزأ ومثل الهيولى الأولى المجردة من الصور والكيفيات (1) ومثل عجزه أيضاً عن معرفة كيفية تصوير الجنين في الرحم وخلق الفرخ في جوف البيضة ، والحب في الغلف والثمر في الأكمام 0 فهذه الأُمور لا يستطيع العقل إدراكها 0 وبذلك أثبت إخوان الصفاء محدودية العقل بالمعرفة على الرغم من تأكيدهم أهميته ، وهذا ما أشرنا إليه في حديثنا عن دور العقل الإنساني في المعرفة 0 وإن ما استنتجه إخوان الصفاء في قولهم عن محدودية عقل الإنسان هو النتيجة نفسها ألاأدرية التي استنتجها باسكال (2)

(1) إخوان الصفاء ، رسائل إخوان الصفاء ، ج 3 ، ص 22 0

(2) يرى باسكال أن المسائل الميتافيزيقية لا يمكن الاستدلال عليها كما هو الحال فيما يخص البراهين الهندسية ، فالحقائق الميتافيزيقية يجب أن تؤخذ تسليماً 0 وذلك لأن الإنسان متوسط في معرفته فهو مثلاً إذا حاول بعقله معرفة الأجزاء وانتظامها في الكل أو معرفة البداية والنهاية فلا يفوز إلا بشيء من الوسط ، ينظر يوسف كرم ، تأريخ الفلسفة الحديثة ، ص 93 – 94 0

المعرفة والتربية والتعليم عند إخوان الصفا · الصفحة ٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعرفة والتربية والتعليم عند إخوان الصفاص ٦٤