وأما ما كان أشرف من النفس وأعلى منها ، فطريق المعرفة هنا هو طريق البرهان الذي يضطر العقول الى الإقرار بهذه الحقائق من غير إحاطة ولا مباشرة ، ولكن الدليل والبرهان الصادق والحجة القاطعة كما يرى الإخوان هي التي تدفع بالعقول الى الإقرار بهذه الحقائق 0 أما عن معرفة النفس بذاتها وجوهرها فقد أرجع إخوان الصفاء هذه المعرفة الى العقل أو بطريق العقل وحجتهم بذلك أن نسبة العقل الى النفس كنسبة الضوء من البصر ، وكنسبة المرآة الى الناظر فيها ، فكما أن البصر لا يرى شيئاً من الأشياء إلا بالضوء كذلك الإنسان لا يرى وجهه إلا في المرآة والنظر فيها ، كذلك النفس لا تنظر ذاتها إلا بنور العقل ولا تعرف حقائق الموجودات إلا بالنظر الى العقل 0 ولكن النفس عند إخوان الصفاء لا يتسنى لها النظر الى العقل بعين البصيرة إلا إذا انتبهت من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ونظرت بعين الرأس الى هذه المحسوسات وفكرت في معانيها واعتبرت أحوالها حتى تعرفها حق معرفتها ومن أجلِ هذا السبب نراهم قدموا رسالة الحاس والمحسوس على رسالة العقل والمعقول ، إذ قالوا ( فمن أجل هذا قدمنا رسالة الحاس والمحسوس على رسالة العقل والمعقول ، فاعتبر يا أخي هذه الأُمور التي وصفنا وتفكر في معانيها وحقائقها ، تنتبه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة وتنفتح عين البصيرة فتعاين في ذاتها صور الأشياء ، وتبين في جوهرها معاني الموجودات لأنها معادن العلوم كلها ومأوى الحكمة ، كما قال الحكيم الفاضل (1)
(1) لم يحدد الإخوان هذا الحكيم الفاضل ، ولكن مصطلح من القوة الى الفعل يجعلنا نقول بأن هذا الحكيم هو أرسطو 0 فهو عني بالإدراك الحسي كما عني بالمعرفة العقلية ، إذ يقول عن المعرفة العقلية بأن العقل الفعال يجرد الماهيات والمعقولات من المحسوسات فيطبعها في العقل المنفعل فيتحول من عقل بالقوة الى عقل بالفعل 0 د0 أميرة حلمي مطر ، دراسات في الفلسفة اليونانية ، دار الثقافة للطباعة والنشر ، القاهرة ، 1980 ، ص 55 0