هذه القوى إدراكها ولا يستطيع العقل إدراك كنهها 0
المعرفة البرهانية
سبق أن تكلمنا عن دور الحواس الظاهرة بالمعرفة ، ودور الحواس الباطنة ، ودور العقل 0 وذكرنا تأكيد إخوان الصفاء أن كل ما لا تدركه الحواس بوجهٍ من الوجوه ، لا تتخيله الأوهام وما لا تتخيله الأوهام لا تتصوره العقول 0 السؤال الآن ماذا بشأن الحقائق التي لا يمكن للحواس الظاهرة والباطنة إدراكها ولا يستطيع العقل الإحاطة بها ؟ يجيب الإخوان عن ذلك ، بأن هناك طريقاً ثالثاً من طرق المعرفة يمكن بواسطته معرفة ما لا تدركه الحواس ولا تتصوره الأوهام ألا وهو طريق المعرفة البرهانية الذي له الدور البارز في معرفة الأمور الإلهية والرياضية 0 يرى الإخوان أن الأمور الإلهية المبرهنة هي أشياء لا تدركها الحواس ولا تتصورها الأوهام ولكنها على الرغم من ذلك فإن الدليل والبرهان الصادق هي الباعثة للعقول الى الإقرار والقبول بها ، كذلك الحال فيما يخص الأمور الرياضية ، مثال ذلك أنه قد قام البرهان في كتاب أقليدس على أن كل مقدار ذي نهاية سواء أكان جسماً أم خطاً أم سطحاً ، فإنه يمكن أن يوجد منه ظل دائم أبداً لا يفنى وهذه مسألة لا تدركها الحواس ولا تتصورها الأوهام ألبته 0 مثال آخر أنه قام البرهان بطريق المنطق الحكمي الفلسفي على أن خارج العالم لا خلاء ولا ملاء وهذه حكمه لا تدركها الحواس ولا تتصورها الأوهام 0 أما عن المسائل التي تتعلق بوحدانية الباري وصفاته والملائكة والصور المجردة فإنها أيضاً مسائل تعرف بالبرهان إذ نلمس هذا بقولهم ( وأمثال هذه الأشياء كثيرة ومعروفة عند العلماء ، بخاصة إقرار الموحدين لله والعارفين به بأن الله تعالى حي ، قادر، عالم ، حكيم ، خالق لا يوصف بالقيام ولا بالقعود ولا الدخول ولا الخروج ، ولا الحركة ولا السكون ، وما شاكل ذلك من الأوصاف مما يوصف بها النفس والعقل والعقل الفعال والصور المجردة من الهيولى وما شاكلها من الجواهر