د. إن الإنسان محاسب أمام الله يوم القيامة إذا لم يستخدم عقله بالتأمل في أمور الآخرة ، وأن الله جلّ وعلا ذم الذين لم يُكلفوا أنفسهم التفكر والروية والتأمل العقلي بمسائل الآخرة وجعلوا من الدنيا شغلهم الشاغل ، إذ قال الإخوان ( وأعيذك أيها الأخ البارّ الرحيم أن تكون من الذين ذمهم رب العالمين (1) بقوله (( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ )) (2) افترى ذمهم من أجل أنهم لم يكونوا يعقلون أمر معيشة الدنيا ، إنما ذمهم لأنهم لم يكونوا يتفكرون في أمر الآخرة والمعاد ، ولا يفقهون ما يقال لهم من معاني أمر الآخرة وطريق المعاد فقال(( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)) (3) وقال عز وجلّ((فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)) (4) (5) 0 إذن أكد إخوان الصفاء العقل وأهميته فبه تميز الإنسان عن سائر الحيوان وبه يفكر ويتأمل في أُمور الدين والدنيا ، ومكانة الإنسان لا تقاس على أساس الجاه والمال أو على قوة البنية أو قوة العشيرة ، وإنما تقاس على أساس مدى استخدامه العقل بالشكل الأمثل ، الذي يجعل من الإنسان إنساناً (6) 0 وبعد أن ذكرنا دور القوى الحساسة بما فيها الظاهرة والباطنة وبعد أن تحدثنا عن دور العقل بالإدراك سوف نتحدث عن الحقائق التي لا تستطيع
(1) إخوان الصفاء رسائل إخوان الصفاء ، ج1 ، ص 260 0
(2) سورة الأعراف ، آية 179 0
(3) سورة الروم ، آية 7 0
(4) سورة النحل ، آية 22 0
(5) إخوان الصفاء ، رسائل إخوان الصفاء ، ج1 ، ص 261 0
(6) حول أهمية العقل عند الإخوان ، ينظر حسين مروه النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، ج2 ، ص 388 – 389