ثانياً- العقل وأهميته المعرفية :- نبدأ حديثنا عن الأمور العقلية وكيف نظر إليها إخوان الصفاء ومدى أهميتها ، إذ يرى الإخوان ، أن كل ما لا تدركه الحواس بوجهٍ من الوجوه ، لا تتخيله الأوهام ، وما لا تتخيله الأوهام ، لا تتصوره العقول (1) والشيء إذا لم يكن معقولاً ، فلا يمكن البرهان عليه ، وذلك لأن البرهان لا يكون إلا من نتائج مقدمات ضرورية وهذه النتائج مأخوذة من أوائل العقول 0 والأشياء التي في أوائل العقول إنما هي كليات أنواع وأجناس أُخذت من أشخاص جزئية بطريق الحواس ، وحتى يثبت الإخوان صدق قولهم استعملوا هذا المثال 0 إن معرفة الصبي أن الكل أكثر من الجزء إنما جاءت من خلال معرفته أن عشرة جوزات مثلاً أكثر من خمس ، أو خشبه طولها عشرة أذرع أطول من أُخرى لها ستة أذرع 0 فأرادوا بهذا المثال القول أن المعقولات مأخوذة أوائلها من الحواس ، والدليل الآخر الذي قدمه الإخوان هو أنه من كان أكثر محسوسات ولها أكثر تأملاً ، وللمتخيلات أجود اعتباراً ، فإن الأشياء المعقولة عنده أكثر عدداً ، ونفسه لها أكثر تحققاً 0 وقد قال الإخوان عن العقل ( فقد تبين بما ذكرنا أن الأشياء المعقولة ليست شيئاً سوى رسوم المحسوسات الجزئية الملتقطة بطريق الحواس من الأشخاص مجموعة في فكر النفس المسمى أنواعاً وأجناساً وأن العقل للإنسان إذا تبين ليس هو شيئاً سوى النفس الناطقة ، إذا تصورت رسوم المحسوسات في ذاتها ميزت بفكرها بين أجناسها وأنواعها وأشخاصها ، وعرفت جواهرها وأعراضها ، وجربت أُمور الدنيا واعتبرت تصاريف الأيام بين أهلها (2) العقل الإنساني له الأهمية الكبيرة في المعرفة عند إخوان الصفاء وهذا يبدو جلياً من خلال ما يأتي :-
(1) المصدر نفسه ، ص 224 0
(2)
(1) إخوان الصفاء ، رسائل إخوان الصفاء ، ج 3 ، ص 225 0