ه. ومن عجائب هذه القوة أن بعض الناس يؤثرون في غيرهم بأوهامهم أشياء عجيبة ينكرها أكثر الناس وهذا ما عمل به قوم من الكهنة من أهل الهند (1) من غير المسلمين 0
2- القوة المفكرة :- يأتي دور القوة المفكرة في المعرفة بعد أن تقوم المتخيلة بنقل رسوم المحسوسات إليها ، أي الى القوة المفكرة 0 فإذا غابت المحسوسات عن مشاهدة الحواس لها ، فإن رسوم تلك المحسوسات تبقى في فكر النفس مصورة صورة روحانية ، فيكون جوهر النفس لتلك الرسوم المصورة فيها كالهيولى ، وهي فيها كالصورة 0 مثال ذلك أن الإنسان إذا دخل مدينة من البلدان ، وطاف في أسواقها ومحالها ، ونظر الى طرقاتها وشاهد أهلها وهيئاتهم وسمع أقاويلهم وعرف شمائلهم ثم خرج من هذه المدينة ، وغابت مشاهدة حواسّه لها ، فإنه كلما فكر في تلك المدينة وما شاهد فيها تخيلها وكأنه يراها معاينة ، فهذه الفكرة تمثل لمحات النفس الى ذاتها 0 وتخيلها لصور تلك المدينة وما رأى فيها من الموجودات ليس شيئاً سوى صور تلك الموجودات إنطبعت في جوهر النفس كما ينطبع نقش الفص في الشمع المختوم 0 فإذا حصلت رسوم تلك المحسوسات في جوهر النفس ، فإن أول فعل القوة المفكرة فيها هو تأملها واحدةً واحدة لتعرف معانيها وكمياتها وكيفياتها وخواصها ومعرفة النافع من الضار منها ، فعندما يحصل لها العلم بهذه المعاني عند ذلك أودعتها القوة الحافظة الى وقت التذكار ، فمتى ما أراد الإنسان الأخبار عن معلوماته للمخاطبين فعند ذلك تستعين القوة المفكرة بالقوة الناطقة في النيابة عنها بالجواب لغيرها كما يستعين الملك بحاجبة وترجمانه بالنيابة في الخطاب لغيره (2) فلهذه القوة أفعالٌ كثيرة تستغرق فيها أفعال سائر القوى ويمكن تقسيمها الى أفعال تخصها بمجردها أي من دون مساعدة القوى الأُخرى ، وأفعال تشترك بها مع قوىٍ أُخرى 0 أما التي تشترك
(1) المصدر نفسه ، ص 218 0
(2) إخوان الصفاء ، رسائل إخوان الصفاء ، ج3 ، ص 243 0