أن مدار المعرفة هو الإنسان بوصفه ذاتاً عارفةٍ وهذا الإنسان خلقة الله بأحسن تقويم ، فزوده بقوى عديدة زوده بالحواس الظاهرة والحواس الباطنة فضلاً عن العقل الذي يُعد الأساس في التمييز بين الإنسان وسائر الحيوانات 0 فعن طريق الحواس الخمس يعرف الإنسان العالم الخارجي وما فيه من حقائق مشخصة ، فلكل واحدة من هذه الحواس الخمس نوع معين من المحسوسات ووسط تعتمد عليه في إدراك محسوساتها ، فالحاسة السامعة تدرك الأصوات والنغمات معتمدة في ذلك على الهواء الذي يعد الوسط في نقل الأصوات ، كذلك حاسة الشم تعتمد على الهواء في نقل الروائح 0 أما حاسة البصر فتعتمد على الضوء الواقع على الأجسام المحسوسة فتنعكس صورتها على العين 0 أما حاسة اللمس فتعتمد على المماسة المباشرة للأجسام المحسوسة 0 وكل هذه الحواس تنقل محسوساتها الى القوة المتخيلة التي مسكنها في مقدمة الدماغ ، إذ ينتشر في هذه المقدمة عصبات لطيفة لينة تتصل بأصول الحواس وتتفرق وتنسج في أجزاء الدماغ مثل نسيج العنكبوت ، فعند انتقال أثر المحسوسات في الحواس وتغير مزاج الحواس ، يصل ذلك التغيير الى الأعصاب التي في مقدمة الدماغ ، فتتجمع آثار المحسوسات كلها عند القوة المتخيلة فتدرك رسوم المحسوسات إدراكاً روحانياً ، أي مجردة من المادة وتنتقل هذه الأفكار المجردة الى القوة المفكرة التي مكانها وسط الدماغ ، فتقوم هذه القوة بتحديد معاني هذه المحسوسات وتحديد منافعها ومضارها 0 وتنقل هذه المفاهيم المجردة للأشياء المحسوسة ، الى القوة الحافظة لتحفظها الى وقت التذكار ، وإذا أراد الإنسان أن يعبر عن هذه المفاهيم التي عرفها عن طريق الإدراك الحسي سيعبر عنها عن طريق القوة الناطقة باستخدام الكلام الذي هو عبارة عن أصوات منطوقة يفهمها الآخرون ، وقد يلجأ الى استخدام القوة الصانعة فيستخدم اليد التي تمسك بقلم فتكتب معاني هذه الأشياء0 وبعد المعرفة الحسية يأتي دور المعرفة العقلية ،
المعرفة والتربية والتعليم عند إخوان الصفا · الصفحة ٢٦٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المعرفة والتربية والتعليم عند إخوان الصفاص ٢٦٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي