وحتى لا نذهب بعيداً عن الموضوع فقد ذكرنا أن العقل هو فعل الله الخالص ، وهذا العقل يمثل التمام والكمال والفيض والرحمة والرأفة وهو أول ما فاض عن الله تبارك وتعالى ، وهذا العقل محتاج الى الله ، الذي أوجده وجعله محيطاً بصور الموجودات ومخرجاً لها من القوة الى الفعل (1) ومن العقل فاضت النفس الكلية ، وهذه النفس غير حائطه بكلية ما في العقل ، وإنما هي حائطه بما افاضه العقل عليها ، أما فعلها الخاص بها فهو ما انبعث منها وصدر عنها من القوة الطبيعية بما جعلت فيها من الصور المنطبعة بالنفس في الهيولى ، والنفس الكلية لما كانت غير محيطة بكلية ما في العقل من الصور المُعرّاة والجواهر المبرأة من الهيولى إلا بما يلقيه إليها ويمدها به (2) ولما كان ذلك كذلك صارت الطبيعة في كل لحظة وفي كل وقت من الأوقات ومع كل حركة من الحركات الزمانية الطبيعية تظهر شكلاً ونوعاً ولوناً ، فغرائبها لا تُحصى وعجائبها لا تفنى ، وهي تبديها الشيء بعد الشيء حسب ما يُلقى إليها ويفاض عليها من النفس الكلية ، وبما يسري فيها من القوى الفلكية ، وبما ينزل مع الملائكة الموكلين بالنشأة الأرضية والخلقة الجسمانية فهم كما يرى الإخوان ، المودعون تلك الصور في جواهر الأمهات المظهرون لها بطبائع الأسطقسات ومتممون ما يبدو منها من الحيوان والنبات (3) وتحاشياً للغموض وحتى نعطي صورة واضحة عن الفيض عند إخوان الصفاء ، نقول أن النفس تحاول أن تحاكي العقل الفعال الذي فاضت منه ، ففاضت منها الهيولى الأولى ، وابتدأت النفس الكلية بتوسط العقل الفعال فحركت الهيولى الأولى طولاً وعرضاً وعمقاً ، وكان منها الجسم المطلق (4) وهذا ما يتعلق بالخلق الروحاني الذي تكلم عنه إخوان الصفاء فبينوا أن الخلقة الروحانية للجواهر البسيطة
(1) المصدر نفسه ، ص 201 0
(2) المصدر والصفحة نفسهما 0
(3) المصدر نفسه ، ص 201 – 202 0
(4) يوحنا قمير ، إخوان الصفاء ، ص 27 0