الحيوانات الآكلة العشب وذلك أن الباري لما خلقها وجعل غذاءها من أكل اللحُمان ومادة أبدانها من جثة الحيوانات ، جعل لها أنياباً صلاباً ، ومخالب مقوسة قوية وزندات متينة ووثبات خفيفة وقفزات بعيدة شديدة تستعين بها على قبض الحيوانات وضبطها وخرق جلودها وشق اجوافها ، وكسر عظامها ونهش لحومها من غير رحمة ولا شفقة عليها (1) ، هذه بعض الأفكار التي قالها بعض الباحثين عن النشوء وإخوان الصفاء ، ولا يسعنا هنا المقام لذكرها كلها تجنباً للإطالة (2) ولابد من الإشارة الى حقيقة مهمة وهي أن هذه الأفكار التي تشبه أفكار داروين والقائلين بالنشوء والارتقاء لا تُعد دليلاً كافياً على أن إخوان الصفاء ذهبوا الى الأفكار نفسها التي قالها دارونيو القرن العشرين 0 نعم كانوا يذهبون الى إن عوالم الطبيعة تؤلف سلسلة تصاعدية ، متصلة الحلقات ، غير أن العلاقة بين هذه العوالم لا تنبني على التركيب الجسمي لكل عالم ، بل هي تتعين حسب الصورة الذاتية أو نفس الجوهر ، والصورة تسري سرياناً خفيفاً من أدنى الموجودات الى أعلاها ومن أعلاها الى أدناها ، ولكن ذلك لا يكون حسب قوانين النشوء ، كما أن الصورة لا تتكيف في أثناء انتقالها بما يتلائم مع الظروف الخارجية بل هي تسري طبقاً لتأثيرات الكواكب ، وسريانها في الإنسان خاصةً يتوقف على سلوكه العملي 0 أما وضع تأريخ للتطور بالمعنى الحديث لهذه الكلمة ، فقد كان بعيداً كل البعد عن ذهن إخوان الصفاء ، فهم يصرحون في غير لبسٍ أن الفرس والفيل أشبه بالإنسان من القرد ،
(1) إخوان الصفاء ، رسائل إخوان الصفاء ، ج 2 ، ص 195 ، كذلك ينظر أديب عباسي ، النشوء وإخوان الصفاء ، ص 13 – 14 0
(2) من الباحثين الذين تناولوا هذا الموضوع ، ينظر مثلاً ، حسين مروة ، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ، ج2 ، ص 416 – 420 0 كذلك ينظر ، د0 ماجد فخري ، تأريخ الفلسفة الإسلامية ، ص 237 – 238 0 وباحثين أخر 0