ففي الشعر السياسي اختلفت صورة المرأة بين حزب وآخر وتحولت في شعر عبيد الله ابن قيس الرقيات ممثل الحزب الزبيري إلى أداة شعرية مشحونة بالرموز والدلالات جعلها الشاعر تتجاوز وجودها الأنثوي وترتقي لتكون وسيلة للتعبير عن قضايا سياسية ساخنة. كما تبوأت المرأة الخارجية مكانة مرموقة في شعر هذا الحزب، وبدت واعية لمبادئ حزبها ومشاركة في نشاطه السياسي والحربي، فكانت رفيقة سلاح ومناضلة جريئة تقتحم غمرات الموت، وهي تارة حبيبة يفيء إليها الشاعر ويبوح لها بأسرار قلبه وفكره، وقد بدت لي صورتها مغايرة لصورة المرأة المألوفة السائدة، وشهد موقع المرأة على مستوى القصيدة تراجعاً ملحوظاً في شعر الكميت بن زيد، شاعر الشيعة الأول، فلم تكن المرأة موضوعاً شعرياً أو باعثاً على الشعر والحماسة في ديوانه، وانحرف الشاعر بمقدمته عن الطريقة المألوفة، وحوّل صورة المرأة إلى صورة هامشية سلبية، وفي قصائد المديح كانت المرأة أميرة متوّجة على صدر هذه القصيدة، تحتل مساحة كبيرة من مقدماتها، فيمتزج المديح بالغزل في مقدمة الأطلال والظعائن وفي وصف المحاسن ومقدمة الشيب والشباب، وفي مقدمة الطيف.
وبدت المرأة مادة أساسية في النقائض، وظفها الشعراء في موضوعي النقيضة الأساسيين: الفخر والهجاء، ولكن هذا المكان الذي خصصته النقيضة للمرأة يختلف اختلافاً كبيراً عن مكانها في موضوعات الشعر الأخرى، إذ تحولت المرأة في النقائض إلى مُلك مباح يتناهبه جميع الشعراء، فأفقدوها صورتها العذبة الجميلة، وغاب وجودها الإنساني العامر بالقيم، وراحوا يجردونها من الأخلاق السامية والقيم الاجتماعية النبيلة، ويقذفونها بفاحش القول، ثم لا يجدون في ذلك كله حرجاً، وأصبح هدف النقيضة الأساسي الذي يتعلق بالمرأة النيل من شرفها ووظيفتها في النسل والتهكم بدورها في العلاقة الزوجية والانحراف بها عن هدفها السامي إلى الرذيلة والفجور.