وعندما تحدثت عن جمال المرأة- في الفصل الثاني من الباب الثاني- كشفت عن الجمال المثالي الذي كان يحلم به هؤلاء الشعراء ويخلعون ملامحه على حبيباتهم، فيكشفون بذلك عن ذوق العصر، وإحساسه الجمالي وصبوته إلى الجسد المكتمل أنوثة وفتنة، فكانوا ينقّون الواقع من الشوائب ويرتقون به ليكون جديراً بالشعر. ولعل الصورة التي حاولت جمع أجزائها من شعر هذا العصر تدل دلالة واضحة على موقف الرجل عامة والشاعر خاصة من المرأة، فهو يعلي دائماً من قيمة الجمال الحسي ويحتفل به، وقد تبين لي أن الشعراء العذريين أنفسهم لم يكونوا بمنأى عن هذا الموقف على خلاف ما توحي به أخبارهم وكثير من الدراسات التي دارت حولهم فقد احتفلوا-كما تبيّن نصوصهم- بالمحاسن الجسدية، وإن لم يغالوا مغالاة غيرهم.
ولكن ذلك كله لا يعني أن الشعراء لم ينظروا إلى المرأة إلا من حيث هي جسد، فما أكثر ما تحدثوا عن المشاعر والأحاسيس والعواطف. وخلصت من ذلك إلى أن هؤلاء الشعراء-على تفاوت واضح بينهم- قد نظروا إلى المرأة نظرة لا تخلو من المنطق والاتزان والاعتدال، فخصوا حسنها المادي بعنايتهم وخصوا محاسنها النفسية ببعض هذه العناية، وكشفوا بذلك عن توازنهم النفسي.
وأضاف الشعراء إلى عناصر الجمال الجسدية بعض المظاهر الأخرى التي سادت وكثرت بسبب الترف في بعض مواقع المجتمع العربي، فكثر وصف بعض الشعراء لهيئة المرأة في ملابسها وزينتها وحليها وعطورها-وهو ما تناولته في الفصل الثاني من الباب الثاني وقد تبيّن لي أن الأقمشة الحريرية كانت أحب أنواع الأقمشة وأكثرها استعمالاً بين النساء. فكانت المرأة لدى جميع الشعراء في أكثر البيئات العربية المختلفة ترفل في ملابس حريرية فضفاضة تجرها تحت أقدامها. وقد وظف هذا الترف للإعلان عن الجاه والملك الواسع، وارتبط ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم القوة والمنعة في القبيلة والمجتمع.