وعلى صعيد المجتمع الأموي-وهو موضوع الفصل الثالث من الباب الأول- وازنت بين مكانة المرأة في المدن الحجازية، ومكانتها في البادية، واستطعت التمييز بين طبقتين من النساء في المجتمع الراقي، طبقة المغنيات، وكن من الموالي، وبينت المكانة التي ظفرن بها في هذا المجتمع لدى الخلفاء والفقهاء وأبناء الأسر، وانحدار هذه المكانة لدى الشعراء. ثم طبقة النساء الثريات اللواتي انحدرن من الأسر العريقة وعلى رأس هذه الطبقة أميرات البيت الأموي الحاكم، ويصور الشعر نساء هذه الطبقة بما توافر لهن من أسباب الترف والإحساس العارم بالكمال والمتعة، فإذا هن يبحثن عن أسباب أكثر إثارة للحرية الاجتماعية، ويتنافسن في إظهار نعيمهن الاجتماعي وتحررهن بين أيدي الشعراء أو في مواسم الحج.
وكشفت عن وضع المرأة في المجتمع البدوي الذي كان شديد المنعة، فلم تظفر بما ظفرت به أختها الحضرية من التحرر الاجتماعي، ولم تسمح لها البيئة بعاداتها وتقاليدها بالتفكير مفردة أو التحرك خارج نطاق أسرتها، وقد تزوجن جميعهن خارج تجربة العشق التي أدت إلى اشتهارهن فكان قيد الزواج أكثر صلابة وغلظة من قيد المجتمع وعاداته.
وقادني تتبع صورة المرأة في الشعر إلى أن المرأة الحبيبة كانت دون غيرها أثيرة لدى شعراء هذا العصر، فهي ربة الحسن والدلال، وهي ملهمة الشعر والإبداع. فأكثر صور المرأة ظهوراً في ديوان الشعر الأموي هي صورة المرأة المحبوبة.
وعندما درست أخلاق المرأة في العصر الأموي-في الفصل الأول من الباب الثاني لاحظت أن هذه الأخلاق التي ذكرها الشعراء وأعادوا القول فيها يمكن ردها إلى ثلاثة مصادر هي: منظومة القيم الجاهلية، أو ما استصفاه الإسلام من تلك المنظومة، ونقّحه وهذّبه ووجهّه وجهة إسلامية خالصة كالبخل وغض الطرف والحياء والصرم، والخشية من التقول عليهن وغير ذلك.