ألا ليتنا حُوتَانِ في البَحْر نَرْتمي ... إذا نحنُ أمسَيْنَا نُلَجِّجُ في البَحْرِ(1)
وما أكثر ما اهتدى هؤلاء العذريون إلى هذه الصور الجديدة البسيطة الفيّاضة الدلالة والثرّية الإيحاء للتعبير عما في نفوسهم على نحو ما نرى في قول المجنون وهو يصور تسرّب الآمال من اليد:
فأصبحتُ من ليلى الغداة كقابضٍ ... على الماءِ خانَتْه فروجُ الأصابعِ(2)
أو في قوله:
فأصبحت من ليلى الغداة كناظرٍ ... مع الصبحِ في أعقاب نجمٍ مغرّب(3)
وحقاً لم يكن هؤلاء العذريون ذوي طاقات شعرية ضخمة كالشعراء الفحول، ولكنهم استطاعوا أن يجّددوا في الشعر العربي أكثر مما استطاع أولئك الفحول الذين أرهقتهم معايير النقد السائدة في عصرهم والمتمثلة في فكرة"مضاهاة القدماء".
وأخلص من هذا كله إلى القول: لقد أسرف الشعراء الأمويون في تصوير المرأة، وكانت صورهم تتأرجح بين التقليد والتجديد، ولكن علينا أن نتذكّر أن هذا التقليد كان يحاول الانتفاع بالموروث والإضافة إليه في كثير من الأحيان، وأن هذا التجديد لم يكن تجديداً مطلقاً بل كان يكثر من الالتفات إلى الكنوز الجاهلية ويقترض منها ويعيد صياغتها، وكان أحياناً يشق له دروباً جديدة لا عهد للشعر بها من قبل، وأغلب الظن أن هذه المزاوجة بين القديم والجديد لم تكن سمة خاصة بالصورة الشعرية، بل كانت سمة عامة تطبع الشعر الأموي كله في معانيه وأساليبه وصوره.
الخاتمة
(1) ديوان المجنون: 164.
(2) المصدر السابق: 197.
(3) المصدر السابق: 79.