بأكثرَ مني غُلّةً وصبابةً ... إليك ولكنّ العدوَّ عراني(1)
ولا يكاد كثيّر عزة يختلف عن جميل في التعبير عن قيظه النفسي وإحساسه بالجفاف، فهو مثله يلجأ إلى صورة العطش والخوف والموت والماء لعلّها بعناصرها المختلفة تكفل له التعبير عن واقعه النفسي:
إنّي وإياكِ كالصادي رأى نهلاً ... وعندَه هوَّةٌ يخشَى بها التَّلفا
رأى بعينيهِ ماءً عزَّ مورِدُهُ ... وليسَ يملكُ دونَ الماءِ مُنْصَرفا
ويضطر الشاعر كثّير إلى أمنيات غريبة تصور نفسه الباطنة وما يموج بخاطره من وطأة المجتمع وظلمه فيبتكر صورة نفسية واجتماعية وبيئية شديدة الخصوبة والثراء، فيتمنى أن يكون هو وصاحبته بعيرين أجربين لرجل غني يرعيان القفر بعيداً عن الناس، ويمتد بالصورة، ويملؤها بمشاعر قاتمة كئيبة كمرارة العطش والجرب وعدوى المرض والضرب والقذف بالحجارة، يقول:
ألا ليتنا ياعزَّ كنّا لذي غنىً ... بعيرينِ نرعى في الخلاءِ ونعزُبُ
كِلانا به عَرٌّ فَمَنْ يرَنَا يقُل ... على حسِنها جرباءُ تُعدي وأجربُ
إذا ما وردْنا منهلاً صاحَ أهلُه ... علينا فما ننفكُّ نُرمى ونُضرب(2)
وتتلاحق الأمانيّ البائسة في شعر المجنون في صور غريبة متلاحقة كلها ناطقة بالنفور من المجتمع وعدم القدرة على التكيف معه أو على مواجهته بالخصومة، وكلّها صور قريبة من الذهن والقلب، ولكنها جميعاً صور مبتكرة لا عهد للشعر العربي بها من قبل، يقول:
ألا ليتنا كنا بعيرين نرتعي ... رياضاً من الحَوْذَانِ في بلَدٍ قَفْرِ
ألا ليتنا كنا حَمَامَيْ مفازَةٍ ... نطيرُ ونأْوي بالعَشيِّ إلى وكر
(1) ديوان جميل: 205 حواني منقطعة على الماء رغبة بالشرب منه اللواغب: ج لاغبة وهي الضعيفة الرواني التي تديم النظر في سكون. الغلة: شدة العطش. عراني: ألم بي.
(2) ديوان كثير: 161 نعزب: نبعد في المرعى عن الحي. العر: الجرب