تصوير نفسي يستمد إيحاءه من عالم الطير الضعيف وعالم القلق والخوف والاضطراب، فقلبه من شدة خفقانه واضطرابه عندما سمع بمغادرة صاحبته كأنه هذا الطائر الضعيف الذي وقع في الشرك، فهو يحاول جاهداً-دون جدوى- التخلص وإنقاذ نفسه من هذا الشرك.
ويصور تعلقه بها كأنه تعلق بالحياة ذاتها، فيربط بين حاجته لها وحاجة الرضيع إلى ثدي أمه يقول:
فإن ذكرت لبنى هششتُ لذكرها ... كما هشَّ للثدي الدرورِ وليدُ(1)
ويستعين جميل بصورة اجتماعية ونفسية يصور فيها انكسار الفقراء وأمانيهم وأحلامهم، ويقابلها بصورة الغني صاحب المال والثراء، ويربط هذا التصور النفسي الاجتماعي بمشاعره نحو بثينة ووعودها بتسديد ديونه، ولكنها وعود تذروها الرياح، أو هي-على حد تصويره البديع- كبرق سحابة تخلف آملها وراجيها. يقول:
إني إليك بما وعدتِ لناظرٌ ... نظرَ الفقير إلى الغنيِّ المُكثِر
يَعِدُ الديونَ وليس يُنْجزُ موعداً ... هذا الغريمُ لنا وليس بمُعسِر
ما أنتِ والوعدَ الذي تعدينَني ... إلا كبرقِ سحابةٍ لم تُمْطِر(2)
ويستخدم جميل كغيره من الشعراء العذريين صورة الماء والعطش التي تحمل دلالة رمزية تنم على العلاقات الاجتماعية في بيئة البادية وتمتد هذه الدلالة الرمزية فتشمل الحالة النفسية للشاعر التي تعبر عن حاجته إلى هذه الحبيبة التي غدت رمزاً للحياة كلها، وهل يرمز شيء إلى الحياة أكثر مما يرمز الماء؟ يقول:
وما صادياتٌ حُمْنَ يوماً وليلةً ... على الماء يَخْشَيْنَ العِصيَّ حَواني
لواغب لا يصدُرنَ عنه لوجهةٍ ... ولا هنَّ من بَرْدِ الحِياضِ دواني
يَريْنَ حَبابَ الماءِ والموتُ دونه ... فهنَّ لأصواتِ السقاةِ رَواني
(1) المصدر السابق: 80 هش: نشط وارتاح. الدرور: الغزير اللبن
(2) ديوان جميل: 109