تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما يعمد في تصويره إلى إشراك عناصر الطبيعة الحية في معاناته النفسية ويجعل من بعض الطيور مَعادِلَ لشخصه يسقط عليها مشاعره ويقيم معها علاقات يفرغ فيها تساؤلاته وقلقه النفسي لعلّه يجد مخرجاً مما يعاني، فتارة يجعل سرب القطا رفيقاً له يبثه أوجاعه وشكواه، ويستعين به على ما هو فيه، فإذا هو يجد عند هذه القطوات كل ما يحلم به من التواصل والتفاهم والمساعدة، يقول:

أسربَ القطا هل من معيرٍ جناحَهُ ... لعليّ إلى من قد هويتُ أطيرُ

فجاوبنني من فوقِ غصنِ أراكةٍ ... أّلاّ كلُّنا يا مستعيرُ مُعيرُ

وأيُّ قطاةٍ لم تُعِرْك جناحَها ... فعاشتْ بضُرٍّ والجناحُ كسيرُ(1)

وتارة أخرى يجري محادثة باكية مع بعض حمامات كان قد سمع هديلهن الحزين فأصغى إليهن بشغف لما أثاره صوتهن في نفسه من مواجع وأشواق، ورأى أنهن مثله يضنيهن الدهر بمصائبه، يقول:

دعاني الهوى والشوق لما ترنّمت ... هتوف الضحى بين الغصون طروبُ

تُجاوبُ وُرْقاً قد أصْخنَ لصوتِها ... فكُلٌ لِكُلٍّ مُسْعدٌ ومجيبُ

فقلتُ حمامَ الأيكِ مالكَ باكياً ... أفارقَتَ إلفاً أم جفاكَ حبيب

فقال رماني الدهرُ منه بقوسِهِ ... وأعرض إلفي فالفؤادُ يذوب(2)

ويهتدي قيس بن ذريح إلى ابتكار بعض الصور النفسية الغنية بدلالاتها الاجتماعية والرمزية بأسلوب بسيط قريب مباشر كما في قوله يشبه شدة حبه للبنى وثباته على هذا الحب بثبوت الأصابع في راحة اليد:

وقد نشأت في القلب منكم مودةٌ ... كما نشأت في الراحتين الأصابع(3)

وفي قوله:

كأنّ القلبَ ليلةَ قيلَ يُغدى ... بليلى العامرّية أو يُراحُ

قطاةٌ عزَّها شرَكٌ فباتَتْ ... تجاذِبُهُ وقد علقَ الجناحُ(4)

(1) المصدر السابق: 137.

(2) المصدر السابق: 58.

(3) ديوان قيس بن ذريح: 107

(4) المصدر السابق: 73 عزها: منعها

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٣٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٣٥١