تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن هذه الضروب من التجديد الشعري ليست كل ما أضافه العذريون إلى الشعر، ولا هي موصولة بهذا المبحث إلا بسبب ضعيف. ولذا فإنني سأعود بالحديث إلى سياقه، فأنا أظن أن هؤلاء الشعراء-على قلة اهتمامهم بالصورة- قد اهتدوا بحسهم الصادق العميق إلى كثير من الصور الفنية المبتكرة النابضة بالمشاعر والأحاسيس على نحو ما نرى في هذه الصورة النفسية البديعة التي يصور فيها إحساسه بالسعادة والغبطة إثر لقائه بليلى فيحس أن راحة يده أصبحت كالأرض الخصبة المعطاء قد أمدتها الطبيعة بالماء والرطوبة من أجل مواسم الخصب والنماء فنبت في أطرافها الورق الأخضر، يقول:

تكادُ يدي تندى إذا ما لمسْتها ... وينبتُ في أطرافها الوَرَقُ الخُضْرُ(1)

إنه يتجاوز وجوده الحسي ويهيم في عالم الحب والمشاعر فيتحول بقدرة سحرية خاصة استمدها من لمسة حبيبته إلى عالم من البهجة والإشراق والاخضرار.

ويهتدي بحسه المرهف إلى صورة نفسية أخرى تجتمع فيها المتاقضات من البراءة والقسوة ولهو الحياة الغافل وصرامة الموت القاسية، فهو يصور عبثها به وقلة اهتمامها فيراها كطفلٍ بريء يلعب بعصفورة مزمومة توشك أن تموت مما هي فيه، وليس يستطيع هذا الطفل بسبب شغفه بهذه اللعبة أن يتأنّى أو يعطف على هذه العصفورة الضعيفة ولا هي تستطيع أن تنقذ نفسها فتفرّ من يده، ويسقط الشاعر مشاعره الخاصة على هذه العصفورة ويجعل منها معادلاً له. يقول:

كعصفورةٍ في كَفِّ طفلٍ يزمُّها ... تذوقُ حياضَ الموتِ والطفلُ يلعبُ

فلا الطفلُ ذو عقلٍ يرقُّ لما بها ... ولا الطيرُ ذو ريشٍ يطيرُ فيذهب(2)

(1) ديوان المجنون: 130.

(2) ديوان المجنون: 44 يذمها: يربطها.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٣٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٣٥٠