واهتمام عمر بن أبي ربيعة بالأطر المكانية لأحداث قصائده ظاهرة واضحة وإضافة مهمة كما يرى الدكتور شكري فيصل، يقول: "كذلك تبدو قدرة عمر في العمل الفني على أن يعرض شعره في هذه الأطر والمشاهد... وإذا كان التشبيه والوصف ملاك العمل الفني في الشعر الجاهلي، فقد انصرف عمر عن ذلك، ولم يرد أن يجعل من موهبة الشاعر سبيلا إلى أن يتحدث عن أشياء بعينها تحدثاً مباشراً. إنه قد يتحدث عن البرق في إطار من حديثه عن واقع ما، وقد يصف الأطلال في مشهد من حادثة أو في تمهيد لها ولكنه لا يمكن أن يصف هذا البرق وصفاً مباشراً. ومن هنا كان فرق ما بينه وبين الشعراء الذين سبقوه وعاصروه"(1).
وقد جدّد الشعراء العذريون في أسلوب الشعر عن طريق صياغتهم الخاصة لبعض الألفاظ ومفارقتهم لنهج الصورة الموروث غالباً"فلم تكن البراعة الفنية عند جميل وعند أمثاله من الشعراء العذريين في أساليبهم البيانية، وإنما كانت قبل كل شيء وأكثر من كل شيء في تعرفهم لسرائر النفوس وعرضهم لها عرضاً يسيراً"(2)..
وكان الدكتور عبد القادر القط قد أسهب في تتبع هذه الظاهرة في الشعر العذري وتوصل إلى أن"هؤلاء الشعراء يبثون في ألفاظهم من الحرارة واللوعة ما يجعلها تبدو كأنها"صياغة" جديدة غير معهودة في الشعر القديم. ذلك لأن الشاعر لا يتحرج من أن يكشف عن كل ما يعتلج في باطنه من حرقة أو يثقلها من يأس وهكذا تتخذ صيغ"الندبة" و"النداء" في شعرهم وضعاً جديداً وتكتسب"القلوب والأكباد" قدرات جديدة على الرمز والإيحاء"(3).
- فواحسرتا إِنْ حِيلَ بيني وبينها ... وياحَيْنَ نفسي كيف فيكِ تحين
- فياحسرتا ما أشبهَ اليأسَ بالغنى ... وإن لم يكونا عندنا بسواءِ
- فويلي من العذّالِ ما يتركونني ... بغميّ أما في العاذلينَ لبيبُ؟
- فواكبدا من حبّ مَنْ لا يحبني ... ومن زفراتٍ ما لهنَّ فناء
(1) تطور الغزل: 531.
(2) المرجع السابق: 328.
(3) في الشعر الإسلامي والأموي: 145.