تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد أحس بعض الشعراء بوطأة التراث الجاهلي وسطوته على خيال الشاعر الأموي وفكره، وحاولوا أن يخففوا هذه الوطأة كما فعل الشاعر يزيد بن معاوية الذي طور أسلوب الصورة قليلاً وأمده بنسغ جديد استطاع أن يتسلل إلى خياله من حياة الدعة والقصور التي عرفها، فكانت صوره تفيض بروح الظرف والمرح والدعابة، وقد سجل بذلك تطوراً ملحوظاً في أسلوب الصورة السائدة في شعره. ولكنه تطور شخصي، على ما ألاحظ، لم يعمّ تأثيره إلا في العصر اللاحق لعصر الشاعر. فقد ألمّ بصورة البنان المخضب- وهي صورة تقليدية أصبحت من أساسيات معجم الصورة التي تخص المرأة- ولكنه طورها بأسلوب طريف يعتمد على حوارية بسيطة بينه وبين صاحبته يحكي فيها حكاية حب ملمومة الأحداث دافقة المشاعر.

إذ تبين له صاحبته أن اللون الأحمر الذي يلون كفيها وأصابعها لم يكن بفعل الزينة والخضاب، وإنما كان بسبب ما ذرفت من الدم بدل الدموع فأدى إلى تلون كفيها، يقول:

ولما تلاقينا وجدتُ بنانَها ... مُخضَّبةً تحكي عُصارةَ عَنْدَمِ

فقلتُ خضبتِ الكفّ بعدي أهكذا ... يكونُ جزاءُ المُستهامِ المتيّمِ

فقالتْ وألقتْ في الحشا لاعجَ الجوى ... مقالةَ مَنْ بالحبّ لم يتبَّرمِ

بكيتُ دماً يومَ النوى فمنعْتُه ... بكفيَّ فاحمرّت بناني من دم؟(1)

وقدّم لنا في حوارية أخرى بينه وبين صاحبته صورة طريفة يتكئ فيها أيضاً على تشبيه موروث-وهو تشبيه الجمال بالبدر- ولكنه تصرّف بهذه الصورة وأمدّها بنسغ جديد جعلها أكثر حيوية ونضارة بعد أن كادت تجف من كثرة ما تعاورها الشعراء. لقد كشف عن احتجاج صاحبته على تشبيهها بالبدر وعن عدم انتشائها بهذا المدح والثناء السخي حين اعترضت بأن البدر لا يكاد يشبه سوارها أو مبسمها. وفي الصورة على ما أعتقد سخرية الشاعر من التشبيه واحتجاج ضمني على القوالب الجامدة للصورة الشعرية ومحاولة لتجاوز قيده الثقافي الفني بهذا الأسلوب، يقول:

(1) شعر يزيد بن معاوية: 48.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٣٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٣٤٥