ومما يثير التساؤل والحيرة في صور عمر-التي تستمد إيحاءها من البيئة العربية- انعدام الإحساس بالثراء والترف والبذخ في هذه المشبهات وذلك فيما يخص الجمال والوصف الحسي، على عكس تصويره لزينة المرأة وحليها التي عرضت لها في فصل سابق واقتصار صوره كما تؤكد الشواهد على الاستمداد من البيئة الصحراوية، وقد يكون ذلك بسبب إحساسه العميق بتقليد أسلافه في هذا الجانب من صوره.
ويرد هذا الأسلوب في شعر العرجي، فينقل قصته بتصوير المكان والزمان والرفاق برصانة أكثر من تصوير عمر الذي يلوي عنق الصورة من أجل استقصاء الحوار بينه وبين صاحبته، فتبدو عناية العرجي بتصوير الحدث أكثر من الحوار، يقول:
وضمَّنتُ حاجاتي إليها رفيقةً ... بها طَبَّةً ميمونةً حين تُرْسَلُ
من البربريات اللواتي وجوهُها ... بكُلِّ فعالٍ صالحٍ تتهلَّلُ
وزيرٌ لها إبليسُ في كلِّ حاجةٍ ... لها عندما تَهْوي له يتمثَّلُ
رآها له نِعْمَ الخدينُ فلم يزلُ ... لحاجاتِها مالم تَحُلْ يتحمَّلُ
فقالتْ: فلا تعجلْ كفيتُك مرحبا ... وللسرِّ عندي فاعلمَنْ ذاك محْملُ
تغشّتْ ثيابَ الليلِ ثم تأطّرتْ ... كما اهتزَّ عِرْقٌ من قناً مُتَذَلّلُ
فجاءت نواراً طالما قد تعلَّلتْ ... من الوحش ما يسطيعُها المُتَحِّيلُ
بدَتْها بقولٍ ليَّنٍ وتمثّلتْ ... من الشعْرِ ما يَرْقى به المتمثِّلُ
فجاءت بها تمشي عِشاءً وسامحت ... كما انقادَ بالحبلِ الجوادُ المُجَلَّلُ
تحذِّرُها في مشيها الأعينَ التي ... بها إنْ رأتها عند ذي الضَّغن تَجْمُلُ
فتسرعُ أحياناً إذا هيَ لم تَخَفْ ... وتخشى عيوناً حولها فَتَميَّلُ(1)
(1) ديوان العرجي 152. الطبة: الحاذقة الماهرة بصناعتها. البربر: أقوام افريقية. تهوي إليه: تقصده المحمل: المستودع الأمين تأطرت: تثنت. القنا: العذق من النخل عرقه: أصله المتذلل: اللين. النوار: المرأة النفور الرقية: السحر المتحيل: الحاذق الفهم. تجمل: تحسن وتتقرب عند أهل الضغن.