فالشاعر يحدد إطار هذه القصة الزماني، إنه الليل، وليل عمر في هذه القصة يكاد أن ينصرم، وقد حان هبوب الصباح على الطبيعة، ثم يترصد الزمن بدقائقه ويمتد به فتشعر معه بمضي الوقت بسرعة وتغير الزمن بين حالة وحالة وما يعكسه على الإنسان من نشاط أو خمول في أوقاته المختلفة، إنها صورة تختزن الحركة وانقلاب الزمن وتغير حال العشاق وانفعالهم وخوفهم من وضوح الصباح، وتغير حال الناس من حالة النوم إلى العمل والنشاط، إنها جزئيات بسيطة تعمل مجتمعة على تأليف هذه الصورة القصصية في سرد وانسيابية قريبة من الحياة اليومية الواقعية..
ويكرر الشاعر هذه الصورة الذهنية بشيء من التفصيل مع المحافظة على العناصر الأساسية.
من تحديد الزمان والحذر والترقب من الأهل والأعداء واقتناص غفلة الحراس إلى أن يحصل اللقاء. يقول:
فلما أضاءَ الفجرُ عنّا بَدَا لنا ... ذُرا النخل والقصرُ الذي دونَ عزوَرِ
فقلتُ: اعتزلْ ذِلَّ الطريق فإننا ... متى نُرَ تعرِفْنَا العيونُ فنشهرِ
فظِلْنا لدى العَصلاءِ تلفحُنا الصَّبا ... وظلَّت مطايانا بغير مُعصَّرِ
لدنْ غُدوةً حتى تحيِنتُ منهمُ ... رَواحاً ولاَنَ اليومُ للمُتَهجِّرِ
فلما أجزْنَا الميل من بَطْنِ رابغٍ ... بَدَتْ نارُها قمراءَ للمتنوِّرِ
فقلت اقترب من سِربهم تلقَ غفلةً ... من الرَّكب والبَسْ لِبْسَةَ المُتَنكَّرِ
فإنك لا تعيا إليها مبلِّغاً ... وإن تلْقَها دون الرفاقِ فأجدِرِ(1)
(1) ديوان عمر: 106 ذل الطريق: أي تجنب من الطريق ما يسلكه الناس حتى لا يرانا أحد. العصلاء: المرأة اليابسة التي لا لحم عليها. المعصر الملجأ والمنجاة.. تحين: أدرك وقته. الرواح: العودة في العشي. رابغ: اسم مكان. المتنور: الذي يتطلع إلى النار من بعيد. السرب: الجماعة من الظباء والقطا. لا تعيا مبلغاً: يريد لا يعجزك أن تجد من يبلغها انتظارنا.