ويعجب كثّير بهذا الأسلوب الفني ويستخدمه أكثر من مرة في تصويره لعزة واحتفائه بالطبيعة يظهر في صورة الروضة التي مرت في موضع سابق، أو في هذه الاستدارة التي يفاضل فيها بين ظبية أم ترعى مع وليدها في مكان وافر الغذاء ويظهر جمال شكلها ورشاقتها وطولها، وبين عزة التي تتفوق عليها في إقبالها وفي إدبارها فإنما تشبه مهاة تطلب الظل في أحد المواضع يقول:
وما أُمُّ خشفٍ ترعَّى به ... أراكاً عميماً ودَوْحاً ظليلا
وإنّ هِيَ قامت فما أثلةٌ ... بعليا تُناوحُ ريحاً أصيلا
بأحسنَ منها وإن أدبرتْ ... فإرخٌ بِجبّةَ تقرو خميلا(1)
ويدور المجنون في دائرة هذا التشبيه التمثيلي فيفاضل بين ليلى وبين الظبية الأم التي تراقب وليدها وهو يبحث عن الطعام والماء فتتفوق عليها وعلى البقرة الوحشية التي تضم قطيعها إليها.
فما مغزلٌ أدماءَ باتَ غزالُها ... بأسفلِ نهْي ذي عرارِ وحَلَّبِ
بأحسنَ من ليلى ولا أمُّ فرقدٍ ... غضيضةُ طرفٍ رعيُها وَسْطَ ربرب(2)
ولا يكاد يختلف تصور الوليد بن يزيد لريق محبوبته عما تصوره جميع الشعراء، مع ما عرفته نشأة الوليد من الرفاهية والرقي والنعيم وأساليب العيش الطري، وما مرّ عليه من أنواع المتعة وفنونها، فإننا نراه منكمشاً أمام صور أقرانه وأسلافه، فلا يخرج عن قوله إنه يشبه المسك الذي خلط بالزنجبيل والعسل والألبان أو حتى الخمر، بل كل هذه الأطايب لا تضاهي ريق سلمى عندما يرتشفه يقول:
فما مسكٌ يُعلٌّ بزنجبيلٍ ... ولا عَسَلٌ بألبانِ اللّقاحِ
(1) ديوان كثّير: 388 أم خشف: ظبية. الخشف: ولدها. العميم: الطويل. الأثل: عضاه طوال شبهت بها المرأة لطولها واستوائها. تناوح: تقابل. الإرخ: الفتي من بقر الوحش جبة: موضع. تقرو: تتبع.
(2) ديوان المجنون: 79 المغزل: أم الغزال. الإدماء التي أشرب لونها بياضاً. النهي: الغدير. العرار: نبت طيب الحلب نبت تأكله الظباء. الفرقد: ولد البقرة. الربرب: قطيع البقر الوحشي