كما مال فضلُ الحِبلِّ عن متن عائذٍ ... أطافت بمهرٍ في رباط مطوَّلِ(1)
وخرج التشبيه عن هذا الأسلوب اليسير الذي اعتمد على أداة التشبيه إلى أسلوب فني آخر كان أكثر قدرة على الإلمام بتفاصيل الصورة المقصودة إنه"التشبيه التمثيلي" أو"الاستدارة الفنية" التي يتحول فيها الشاعر عن موضوع صورته أو مشبههه إلى المشبه به محاولاً استقصاء جميع مظاهره الجمالية ليعلن بعد ذلك تفوق مشبهه عليه.
وتلقف ذو الرمة هذا الأسلوب وبرع فيه أيضاً، فكان يتناسى صاحبته ويسترسل في تصوير المشبه به حتى يستكمل عناصره الجمالية ويشبع إحساسه التصويري، ثم يعود إليها ويعلن تفوقها على كل التفاصيل التي حاول استقصاءها. يقول:
فما ظبيةٌ ترعى مساقطَ رملةٍ ... كسا الواكفُ الغادي لها ورقاً نضراً
تلاعاً هراقت عند حَوْضَي وقابلتْ ... عن الحبلِ ذي الأدعاصِ آملةً غفْراً
رأت أنساً عند الخلاء فأقبلت ... ولم تُبْد إلا في تصرُّفها ذعرا
بأحسنَ من ميٍّ عشيَّة حاولت ... لتجعل صدعاً في فؤادِكَ أو وَقْرا(2)
فهو يبدأ الصورة برصد هذه الظبية التي ترعى بين الكثبان المنتشرة حولها، ثم يستغرقه وصف المطر الذي أصاب هذه الرمال وأصبح سيلاً غزيراً يصب مثل شلال من أعلى الوادي ثم يعود إلى الظبية التي نفرت من رؤية إنسان عند خلوتها لكنها لم تذعر بحمق وغباء، وإنما كان نفارها رزيناً هادئاً، وبعد هذه الاستعراض والاستقصاء يعود إلى مية فيراها أحسن من هذه الظبية بكل محاسنها السابقة.
(1) المصدر السابق: 945.
(2) ديوان ذي الرمة 1414 مساقط الرملة: منقطعها. الواكف: المطر. تلاعاً هراقت: أي كان مصبها عند حوض التلعة: مصب من مكان مشرف على الوادي. الحبل من الرمل: ما طال منه. آملة: رملة عرضها حدر نصف ميل. عفرا: بيض تضرب إلى الحمرة.. رأت أنساً أي هذه الظبية رأت إنساناً عند خلوتها فلم تذعر إلا في جولانها؛ الوقر: الهرم في العظم.