تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كأن نواراً ترتعي رملَ عالجٍ ... إلى ربربٍ تحنو إليه جآذرُهُ(1)

ويسلك النابغة الشيباني مسلك الفرزدق في الاعتماد على التشبيه فيشبه أسنان المرأة بالأقاحي وفمها بالرياض المزهرة والظعائن بشجر النخيل كما في قوله:

ألا هاجَ قلبي العام ظعن بواكر

كواعب أتراب كأن حمولَها ... من النخلِ عُمريُّ النخيل المواقرُ(2)

ولا يبعد جرير عن غيره فهو يشبه أسنانها البراقة ببريق غيوم ماطرة، ويفيد قوله ماطرة أنها داكنة مما يزيد الإحساس بقوة البرق وشدة لمعانه يقول:

إذا ابتسمتْ أبدتْ غروباً كأنها ... عوارضُ مُزْنٍ تَسْتَهلُّ وتَلْمَحُ(3)

ثم لا يكتفي بتصويرها وهي تبتسم بل يحرّك الصورة ويتأملها وهي تنظف أسنانها بالسواك الذي صقلها وجعلها تشبه حبات البرد البيضاء التي تحدّرت من سحابة ماطرة يقول:

تُجري السِّواكَ على أغرَّ كأنه ... بَرَدٌ تحدَّرَ من متونِ غَمامِ(4)

ويشبه مشية النساء المتهادية بفرس ضعيف صغير لا يستطيع الاعتماد على قوائمه إلا قليلاً، ولا يكتفي بذلك فيتابع التشبيه في بيت آخر يصف فيه ميلان"الجل" على ظهر فرس يمنة ويسرة بسبب محاولتها الاقتراب من صغيرها لكن حبلها الطويل يقيد حركتها ويمنعها من الاقتراب، فلا تستطيع التقدم. وأعتقد أنها صورة سقيمة لم يغنها ذكر الأمومة عند الفرس ولم يستمد منه الأثر العاطفي الذي اختزنته صور الغزالة الأم أو البقرة الوحشية الأم في الصور السابقة، لأن الشاعر قيّد نفسه بذوق أسلافه وأقرانه وحاول أن يغير أسلوب الصورة قليلاً فسقط في تفصيلات ركيكة منفرة يقول:

إذا ما مشت لم تنتهز وتأَوَّدتْ ... كما انآد من خيل وَجٍ غيرُ مُنْعَلِ

(1) ديوان الفرزدق 279 عالج: مكان الربرب: قطيع البقر. الجؤذر: ولد البقر الوحشي.

(2) ديوان النابغة الشيباني 59 العمري: القديم. المواقر: من الوقر وهو الحمل أي النخيل المثقل بحمله.

(3) ديوان جرير : 834..

(4) ديوان جرير: 990.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٣٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٣٣٥