وسجل التشبيه تفوقاً واضحاً في دواوين الشعراء الآخرين، ولكن بعض هذه التشبيهات تنقصه الجاذبية والجمال وربما فقد التوهج والشاعرية. فعندما أراد الأخطل وصف الحنّاء في كفي صاحبته وأصابعها، ربط بين اللون الأحمر وبين الدم الذي ينزف من ذبيح وهي صورة-على ما أظن- يموت فيها الأثر الفني للصورة، لأن دم الذبيح الذي يجري بغزارة في بداية النزف ويكون لونه نضراً زاهياً لا يلبث أن يتحول إلى لون قاتم كثيف لا يثير أي إحساس بالجمال، بل هو لا يثير إلا الإحساس بالنفور والاشمئزاز، فكلمة الذبيح تحيل التشبيه إلى لوحة يابسة تقبض على إحساسنا بالجمال والشعر يقول:
ومرمَّلُ الحناء يصبح قانياً ... كدم الذبيح بأرْوُحٍ وبنان(1)
ويشبه تمنع صاحبته وحصانتها بالطيور الخرافية التي لا يمكن أن تنال، فالرخم تضع بيوضها في أعلى الأماكن وتمنعها على الطامعين تشد انتباهه فيسجلها في هذا البيت ويقول:
من الجازئاتِ الحُورِ مطلبُ سِرِّها ... كبيض الأنوقِ المستكنَّةِ في الوكر(2)
ويعتمد الفرزدق على التشبيه شأنه شأن غيره من شعراء هذا العصر، فيشبه جمال"النوار" بجمال البقر الوحشي الذي يرعى أحد المواضع وقد تجمعت أولاده حوله، وفي الصورة إثارة للنفس والحواس الإنسانية وتحريض لإحساس الأمومة والرعاية وكأن الشاعر كان يترصد الطبيعة وكل ما يدل على الترابط والحب، فيلتقطه ويسجله، فيبدو متأملاً البقر الوحشي المتجمع في قطيع أسري كل يحنو على الآخر ويترقبه ويضمه إليه، فالحيوان يمارس أمومته في أحضان الطبيعة في معظم الصور التي اخترتها، مما يثير الإحساس بدفء الحياة وجمالها. يقول:
(1) نقائض جرير والأخطل: 220 القاني: الشديد الحمرة.. الأروح: ج راح وراحة.
(2) ديوان الأخطل: 12 الجازئة: التي تجتزئ الرطب عن الماء. السر: صفو المودة. الأنوق: الرخم التي لا ينال بيضها.