وربما حشد مجموعة من الصفات ليظهر أن لحمها مشدود غير مترهل، فشبهها بالحبل المفتول جيداً الذي أتقن الصانع صناعته في قوله:
من المدمجاتِ اللَّحْمِ جِدْلاً كأنها ... عِنَانُ صَناعٍ مُدْمَجُ الفَتْل مُحْصدا(1)
ويتكئ عبيد الله بن قيس الرقيات على التشبيه في تصوير المرأة ويستقصي أوجه الشبه فيها المرأة بظبية أم أضاعت ولدها وقصدت أرضاً سهلة تبحث عنه حزينة ملتاعة في قوله:
شِبْهُ أدماءَ مُغْزِلٍ ضلَّ عنها ... خِشُفُها فانتحت مكانا سُهوبا
فَهْيَ مشغوفةٌ تجولُ عليها ... يصدعُ الصخرَ صوتُها والقلوبا(2)
واستعاض الشعراء العذريون عن تدبيج الصور الفنية القائمة على التشبيه والمجاز بالتعبير التلقائي الذي يجسد العواطف والانفعالات التي يصدرون عنها بصياغة جديدة ولكنهم اهتدوا إلى بعض التشبيهات الجميلة البسيطة والعفوية، كما في هذا التشبيه الذي يعقده المجنون بين عينه الدامعة وبين من ينظر من خلف الزجاج، فشبه الدمع بزجاج شفاف قد حجب الرؤية بعض الشيء ثم ما إن ذرف دموعه حتى اتضحت الرؤية أمامه، واستمر على هذه الحال بين أعشى ومبصر إلى أن قرر أن دموعه إنما هي أجزاء نفسه الذائبة من الحب والغرام، يقول:
نظرتُ كأني من وراءِ زجاجةٍ ... إلى الدارِ من ماءِ الصبابةِ أنظر
فعينايَ طوراً تغرقان من البكا ... فأعشى وطوراً تَحْسِرانِ فأُبْصِرُ
وليس الذي يَهْمي من العين دمعُها ... ولكنه نفسٌ تذوبٌ فتقطُرُ(3)
(1) ديوان الأحوص: 99 أدمج الحبل: إذا أحكم فتله. الجدل: شدة الفتل. العنان: الحبل. الصناع: الحاذق بالصنعة. المحصد: الشديد الفتل.
(2) ديوان عبيد الله بن قيس 108 الأدماء: الظبية في بياضها سمرة. مغزل ذات ولد. الخشف: ولد الظبية انتحت: قصدت. السهوب: ج سهب وهو المستوي من الأرض في سهولة مشغوفة: حزينة. تجول عليها: تبحث عنها.
(3) ديوان المجنون: 135.