ففي البيت تصوير مرهف وجميل، إذ حديثهن يتساقط لا كما تتساقط حبات اللؤلؤ من خيط النظم بغفلة ونفور وإنما يساقطن كلماتهن بخوف وحذر وإشفاق، فاللفظة ذاتها"ساقطن" تحمل معناها وتقدم الإيحاء الشاعري الجميل، ثم يقرن الشاعر جمال الحديث بالعسل وحلاوته وعذوبة مذاقه فيثير فينا حاسة السمع وحاسة الذوق بل هو لا يكتفي بمذاق العسل وطيبه وإنما يتسع في تصوير ما يثيره حديثهن في النفس من جمال وعذوبة فيشبهه بعناقيد العنب التي تقطف للمرة الأولى، وفي لفظة"البكورة" تكمن أسرار الصورة، فحديثهن مثل أبكار هذا العنب المقطوف قد اختزن حلاوة النضج المتمهل، وأخذ كفايته من احتضان الطبيعة الأم له، فكان باتزانه وكماله كهذا الموسم اللذيذ.
ويطور الفرزدق الصورة السابقة، فيصور تشعب الأحاديث بين النساء واشتراك مجموعة منهن بالكلام، بمن يعالج مسكاً ويبله بالماء ثم يسحقه، وهي صورة اجتماعية طريفة، خرج الشاعر فيها عن المألوف في صفة الحديث، وفارق النهج المادي الذي سيطر على الصورة الشعرية إلى شيء من اللامألوف حتى يوشك القارئ أن يرى الحديث بعينه ويشمه بدل أن يسمعه، وذلك في قوله:
ينازعْنَ مكنونَ الحديثِ كأنما ... ينازعنَ مسكاً بالأكفِّ الدوائف
وأكثر ما تظهر مدنية الفرزدق واطلاعه الحضاري، في هذه الصورة التي يتحدث فيها عن مساعاة ليلية لإحدى النساء، فإنه يصدر فيها عن ذوق متحضر يتفوق فيه على عمر بن أبي ربيعة تفوقاً ملحوظاً، وذلك عندما يذكر أن صاحبته تقيم في مكان مشيّد-لا شك أنه قصر- عليه حراسة شديدة، وأبوابه مصنوعة من خشب الساج، وعليه أقفال كثيرة تصرّ بأيدي البوابين الذين وكلوا بحراستها، يقول:
أحاذرُ بوَّابَيْنِ قد وُكِّلا بها ... وأسمرَ من ساجٍ تَئطُّ مسامِرُه