تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويضاف إلى هذا المصدر الطبيعي، الواقع الاجتماعي والثقافي الذي رأى فيه الشعراء مادة طيبة لبعض صورهم. وكانت هذه الصورة التي تستوحى من الإطار الاجتماعي والثقافي الذي يحيط بالشاعر ترتبط أيضاً بعناصر الطبيعة، كما نجد في صورة الفرزدق التالية:

كأُمِّ غزالٍ أو كدرّةِ غائصٍ ... إذا ما بدتَ مثلَ الغمامةِ تُشرقُ(1)

فضمن إطار الطبيعة التي استخلص منها الغزالة الأم والغمامة المشرقة، ورد ذكر الدرة والغائص، وفي قوله"أم" اختزان لمشاعر حنان ورقة فائضة يمدّه بها هذا اللفظ، فيمنح صورته منذ بدايتها دفقة من الإحساس بالحنان وإشاعة الجمال والحب في أنفسنا، فالغزالة عندما تكون أماً، تمدّ الشعراء برصيد ضخم من هذه المعاني، وتجعلهم قادرين-بالإضافة إلى رصد المظاهر الخارجية للحياة والكون- على إشاعة الإحساس بالجمال وتحريك الحواس وإثارتها.

أما قوله"درة غائص" فتشبيه يتضمن قيمة الدرة البعيدة التي يواجه غواصها أصعب المخاطر في سبيل الحصول عليها، والحصول عليها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحياة الاجتماعية والاقتصادية للإنسان العربي حتى فترة متأخرة من حياتنا الاجتماعية، مما يضفي إحساساً بالحياة الغنية بالخير القادرة على العطاء.

ويكرر الفرزدق صورة اجتماعية أخرى ويمزج بينها وبين الواقع الطبيعي- النباتي- عندما يصور أحاديث النساء ويشبهها بالعسل ومواسم العنب وما تعد به من لذيذ الشراب يقول:

إذا هنَّ ساقطن الحديثَ كأنه ... جنى النحلِ أو أبكارُ كَرْمٍ يُقطّف(2)

(1) ديوان الفرزدق: 411.

(2) ديوان الفرزدق: 374.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٣٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٣٢٥