قامت تُريكَ وتجلو من محاسِنها ... بَرْدَ الغمامةِ تسقي بلدةَ حرما(1)
وفي تصوير ريقها العذب يذكر ماء السحاب البارد يقول:
وكأنما جادتْ بماءِ غمامةٍ ... خَضْر تنّزل من متونِ العشرق(2)
ويسلك عمرو بن لجأ التميمي مسلك هؤلاء الشعراء الذين احتفوا بالطبيعة والبيئة البدوية فهو يحيط صوره بهذا الإطار الطبيعي الفتان، ويعتمد في إبراز نموذجه الجمالي على البقر الوحشي المنتشر في بعض الأماكن التي يسميها، يقول:
عراض القطا غرّ الثنايا كأنّها ... مها الرملِ في غُرٍّ منَ الظلِّ أَهدبا
خرجنَ عِشاءً والتقَيْنَ كما التقى ... مها ربربٍ لاقى بفيحانَ ربربا(3)
إنه يقرن صورة الحياة الهانئة والعيش العزيز الذي لا يرهق أصحابه بهذا الظل الوارف الذي تنعم به مجموعة من إناث البقر الوحشي، ويبين ما يضفيه هذا الظل الممتد على قيلولتها من رطوبة ومتعة واسترخاء ثم يقرن ذلك كله بصورة النساء اللواتي يشعر بغبطتهن ومرحهن وقت تلاقيهن، فيشبه مرحهن بمرح إناث البقر الوحشي النشيطة. ومن الملاحظ أن الشاعر لم يستطع في هذا التصوير القائم على المزج بين ما هو طبيعي واجتماعي الاستغناءَ عن هذا الحيوان الصحراوي الذي أصبح رمزاً جمالياً وافر الدلالة.
ويقول هدبة بن الخشرم مصوراً مواكب النساء الجميلات بأعناقهن التي استعرنها من الظباء الرشيقة وأعينهن التي تشبه أعين البقر الوحشي في سعتها ولونها وثقل أردافهن بالسحاب المثقل بما يحمل من خير:
خرجْنَ بأعناقِ الظباء وأعَيْنِ الـ ... جآذرِ وارتّجتْ بهنَّ الروادفُ
طلَعْنَ علينا بين بِكْرٍ غريرةٍ ... وبين عُوانٍ كالغمامةِ ناصفِ(4)
(1) المصدر السابق: 98.
(2) المصدر السابق: 111 العشرق: شجر أو نبت.
(3) شعر عمرو بن لجأ التميمي: 37 عراض القطا: واسعات الأرداف. غر من الظل: أي ظل، وارف. أهدب: متدل فيحان: موضع.
(4) شعر هدبة بن الخشرم: 116 في البيت الثاني إقواء.